حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

يدخل المكتب الوطني للسكك الحديدية (ONCF) مرحلة متقدمة في تنزيل البرنامج السككي للدار البيضاء الكبرى، في إطار ورش استثماري تبلغ كلفته 20 مليار درهم، ويستهدف إعادة بناء منظومة النقل السككي بالعاصمة الاقتصادية وتعزيز قدرتها على مواكبة النمو الحضري والاقتصادي المتسارع.

وبعد مرور سنة على إطلاق البرنامج في 24 شتنبر 2025، تتقدم أشغال عدد من المشاريع الهيكلية التي يقودها المكتب، وتشمل ثلاث محطات كبرى، وعشر محطات جديدة لقطارات القرب، وتأهيل خمس محطات قائمة، وإنجاز 260 كيلومتراً من الخطوط السككية الجديدة، وبناء أو توسيع 50 منشأة فنية.

وتعكس هذه الأرقام حجم التحول الذي يعتزم ONCF إحداثه في منظومة التنقل بالدار البيضاء الكبرى. فالمشروع لا يقتصر على تحديث البنية التحتية القائمة، وإنما يقوم على توسيع الشبكة ورفع قدرتها الاستيعابية وربط مناطق سكنية واقتصادية ومطارات ومنشآت كبرى بشبكة سككية أكثر تكاملاً.

في صدارة هذه المشاريع، تبرز محطة الدار البيضاء الجنوب، التي يعمل المكتب على إنجازها لتصبح قطباً رئيسياً لمختلف أنواع القطارات. وستضم المحطة ستة أرصفة وعشر سكك مخصصة للقطارات فائقة السرعة والكلاسيكية والجهوية وقطارات القرب، مع ربطها بوسائل النقل الحضري، بما فيها الترامواي والحافلات ذات المستوى العالي من الخدمة وسيارات الأجرة.

وتكتسب هذه المحطة أهمية تتجاوز وظيفتها السككية، إذ يسعى ONCF من خلالها إلى تطوير نموذج للمحطات متعددة الوسائط، حيث يصبح الانتقال من القطار إلى وسائل النقل الحضري جزءاً من رحلة واحدة، وهو توجه ينسجم مع التحولات التي تعرفها المدن الكبرى في مجال التنقل المستدام والمتكامل.

وفي مشروع آخر ذي أهمية استراتيجية، يواصل المكتب أشغال محطة مطار محمد الخامس، التي ستوفر ربطاً سككياً مباشراً بالمحطة الجوية، مع مدخل مستقل من جهة النواصر. وستتكون من أربعة أرصفة وسبع سكك موزعة بين الخط الكلاسيكي والخط فائق السرعة وخدمة «أيروأكسبريس».

ويضع هذا المشروع المطار ضمن قلب الشبكة السككية، بما يعزز الربط بين البنية الجوية والسككية ويمنح المسافرين إمكانية الوصول المباشر إلى الشبكة الوطنية.

أما في بنسليمان، فيتولى ONCF إنجاز محطة الملعب الكبير الحسن الثاني، التي ستخصص لاستقبال قطارات فائقة السرعة وقطارات القرب، بما يسمح بمواكبة حركة المسافرين المرتبطة بالتظاهرات الرياضية الكبرى، خصوصاً في أفق كأس العالم 2030.

وفي قلب البعد الحضري للبرنامج، تأتي عشر محطات جديدة لقطارات القرب، تشمل المحمدية الكليات، وزناتة المنطقة الصناعية، وزناتة المدينة الجديدة، وسيدي البرنوصي، وعين السبع، والحي المحمدي، ومرس السلطان، والدار البيضاء الوازيس، وسيدي معروف، والنواصر المدينة الجديدة.

وتكشف هذه المشاريع عن توجه ONCF إلى جعل النقل السككي جزءاً من منظومة التنقل اليومي داخل المجال الحضري للدار البيضاء، وليس فقط وسيلة للربط بين المدن. كما أن انتشار المحطات بالقرب من المناطق السكنية والصناعية يمكن أن يعزز جاذبية قطارات القرب ويمنحها دوراً أكبر في مواجهة الضغط المتزايد على شبكة الطرق.

ولضمان تشغيل هذه الشبكة الجديدة، يتضمن البرنامج إحداث مركزين تقنيين وخمسة مراكز للصيانة، إضافة إلى اقتناء 48 قطاراً مخصصاً لخدمات القرب والخدمات الجهوية. وتكتسي هذه المكونات أهمية عملية، لأن توسيع الشبكة يحتاج إلى منظومة تشغيل وصيانة قادرة على مواكبة ارتفاع حجم الطلب.

ولا يتوقف دور ONCF عند تطوير البنية التحتية داخل الدار البيضاء، بل يمتد إلى تنفيذ رؤية أوسع لتحديث النقل السككي على المستوى الوطني. ويبلغ حجم الاستثمارات المبرمجة في هذا القطاع في أفق 2030 نحو 96 مليار درهم، في إطار توجه يروم تطوير البنية التحتية وتوسيع العرض السككي وتعزيز الربط بين المدن والمطارات والمراكز الاقتصادية.

كما أن البعد الدولي والاستراتيجي للدار البيضاء يفرض على المكتب تطوير شبكة قادرة على استيعاب تنامي حركة المسافرين والأنشطة الاقتصادية، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات كبرى. ومن هنا، فإن مشاريع المحطات والخطوط الجديدة لا تمثل فقط استثمارات في النقل، بل تشكل جزءاً من إعادة تنظيم العلاقة بين الدار البيضاء ومحيطها الحضري والاقتصادي.

ويبقى التحدي بالنسبة إلى ONCF هو الانتقال من إنجاز مشاريع منفردة إلى منظومة سككية متكاملة، يكون فيها القطار مرتبطاً فعلياً بالترامواي والحافلات وباقي وسائل النقل. فنجاح برنامج الـ20 مليار درهم لن يقاس فقط بعدد الكيلومترات والمحطات والقطارات الجديدة، وإنما بمدى قدرة المكتب على تحويل هذه الاستثمارات إلى خدمة يومية أكثر انتظاماً وفعالية، وتقليص زمن التنقل، وتحسين الربط بين مختلف مكونات المجال الحضري للدار البيضاء.

وبذلك، يضع ONCF الدار البيضاء في قلب التحول السككي الوطني، عبر برنامج يجمع بين توسيع الشبكة، وتحديث المحطات، وتطوير قطارات القرب، وتعزيز البنية التشغيلية، استعداداً لمرحلة جديدة من النمو الحضري والاقتصادي في أفق 2030.