حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

لم تعد جهة الداخلة-وادي الذهب تراهن فقط على مؤهلاتها الطبيعية وموقعها الجغرافي لتعزيز حضورها الاقتصادي، بل تتجه نحو بناء منظومة استثمارية ولوجستية متكاملة، تستند إلى مشاريع كبرى في البنيات التحتية والموانئ والطاقات المتجددة والفلاحة والسياحة، في إطار الرؤية الملكية التي أطلقت دينامية جديدة لتنمية الأقاليم الجنوبية.

وتبرز هذه التحولات من خلال المشاريع المهيكلة التي يشملها النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2015، والذي بلغت مجموعة من أوراشه مراحل متقدمة من الإنجاز، وفق ما أكده فيصل السحماني، المدير بالنيابة للمركز الجهوي للاستثمار بالداخلة-وادي الذهب، في حوار مع وكالة المغرب العربي للأنباء بمناسبة عيد الوحدة.

ويأتي ميناء الداخلة الأطلسي في مقدمة هذه المشاريع، بالنظر إلى ما ينتظر أن يوفره من إمكانات لتطوير الخدمات اللوجستية وأنشطة الصيد البحري والتبادل التجاري مع الأسواق الإفريقية، ولا سيما بلدان الساحل.

كما يندرج ضمن هذه المنظومة مشروع محطة تحلية مياه البحر المرتبطة بسقي خمسة آلاف هكتار، إلى جانب الطريق السريع تزنيت-الداخلة، الذي يعزز الربط بين شمال المملكة وجنوبها ويدعم انفتاحها على عمقها الإفريقي.

وتتسع هذه الدينامية لتشمل مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، حيث تراهن الجهة على تحويل مؤهلاتها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي إلى فرص استثمارية فعلية، مستفيدة من البنيات التحتية القائمة والمناطق الصناعية واللوجستية المرتقب تطويرها.

وعلى مستوى مناخ الأعمال، سجل السحماني تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، مستدلا بحجم الملفات التي تعرض على اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار، التي تبت أسبوعيا في ما بين 25 و30 مشروعا استثماريا، تشمل قطاعات متعددة، يتصدرها الصيد البحري.

ويعكس هذا الإقبال، بحسب المعطيات المقدمة، تنوع الاهتمام الاستثماري بالجهة وتوسع المجالات التي تستقطب المشاريع.

وفي القطاع الفلاحي، تبرز محطة تحلية مياه البحر ومشروع سقي خمسة آلاف هكتار باعتبارهما رافعة لتوسيع الإنتاج وتنويعه، إذ لم يعد النشاط الفلاحي مقتصرا على الطماطم، بل يشمل أيضا منتجات ذات قيمة مضافة، من بينها توت العليق والتوت الأزرق.

أما السياحة، فتتوفر الجهة على 56 مؤسسة سياحية مصنفة، بطاقة إيوائية تتجاوز ثلاثة آلاف سرير، بالتوازي مع نمو قطاع الخدمات وتزايد الاهتمام بالاستثمار في الطاقات المتجددة.

ويرتبط تحسين جاذبية المجال الاستثماري أيضا بتطوير آليات مواكبة المقاولات والمستثمرين. وفي هذا الإطار، أوضح مدير المركز الجهوي للاستثمار أن إصلاح منظومة الاستثمار أتاح الانتقال من تعدد المتدخلين والإدارات إلى اعتماد منطق الشباك الوحيد، بما يساعد على تبسيط المساطر واختصار الوقت وتجميع معالجة التراخيص ضمن منظومة موحدة.

ولا تقتصر مهام المركز على تسهيل الإجراءات الإدارية، بل تشمل كذلك تثمين العقار التابع للدولة والمخصص للاستثمار، وتيسير استفادة المقاولات الصغيرة والمتوسطة من آليات الدعم المالي، فضلا عن مواكبة الشباب والنساء في بلورة أفكار المشاريع وإعداد الدراسات المرتبطة بها.

وفي سياق توسيع قاعدة الفرص الاستثمارية، كشف السحماني عن العمل على إعداد بنك للمشاريع، يتيح للمستثمرين الاطلاع على فرص متاحة وفق القطاعات الاقتصادية، مع استمرار مواكبة أصحاب المشاريع خلال مراحل التنفيذ والتدخل للمساعدة على تجاوز الصعوبات التي قد تعترضهم ميدانيا.

وتكتسب هذه الآليات أهمية إضافية في ظل التحولات المنتظرة بعد دخول ميناء الداخلة الأطلسي مرحلة الاستغلال، إذ من شأنه أن يفتح مجالات جديدة أمام أنشطة الخدمات واللوجستيك والصيد البحري والتبادل التجاري مع الأسواق الإفريقية.

كما أن النمو السكاني الذي تعرفه مدينة الداخلة يوسع بدوره الطلب على العقار والخدمات، ويتيح فرصا استثمارية إضافية في هذه المجالات، إلى جانب الأنشطة المرتبطة بالطاقات المتجددة.

غير أن استثمار هذه المؤهلات يظل مرتبطا بمدى قدرة الجهة على توفير الكفاءات البشرية التي تحتاجها المشاريع الجديدة. وفي هذا الصدد، شدد السحماني على أولوية تأهيل العنصر البشري، خصوصا في تخصصات الطاقات المتجددة واللوجستيك والصيد البحري والفلاحة، مستحضرا دور مدينة المهن والكفاءات بالداخلة، التي توفر أكثر من 24 تخصصا، مع التعبير عن الحاجة إلى تعزيز التكوين المتخصص في القطاعات الناشئة.

كما لفت إلى أهمية ملاءمة برامج التمويل والدعم مع خصوصيات الجهة، وترسيخ ثقافة المبادرة الخاصة لدى الشباب، وتيسير الولوج إلى العقار والتمويل، مع ضمان استمرارية المواكبة، بما يسمح بتحويل الأفكار والمبادرات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ والاستمرار.

وبالنسبة إلى دلالات عيد الوحدة، اعتبر المسؤول أن المناسبة تتزامن مع تقدم المشاريع المهيكلة واستمرار الدينامية الدبلوماسية، مشيرا إلى أن المركز الجهوي للاستثمار يستقبل بوتيرة أسبوعية بعثات ووفودا من بلدان إفريقية ودول صديقة، للاطلاع على النموذج التنموي ومؤهلات الجهة.

ويبرز هذا الحضور المتزايد للوفود الأجنبية أحد أوجه الانفتاح الذي تراهن عليه الداخلة-وادي الذهب، في وقت تتجه فيه المشاريع الكبرى إلى إعادة تشكيل وظائفها الاقتصادية واللوجستية.

ويظل نجاح هذا المسار مرتبطا بتكامل جهود السلطات الولائية والمجالس المنتخبة ومختلف المتدخلين، بهدف تعزيز جاذبية الجهة وتنافسيتها، وترسيخ دورها كمنصة للانفتاح على إفريقيا، بما ينعكس على التنمية وفرص الشغل وتحسين جودة حياة الساكنة.