لم تعد الشراكة المغربية الإيفوارية تقتصر على المبادلات الاقتصادية والاستثمارات، بل امتدت إلى بناء منظومة إفريقية لتأهيل الكفاءات وتطوير الابتكار الزراعي، من خلال افتتاح مدرسة متخصصة في الزراعة الرقمية بمدينة ياموسوكرو، بمبادرة من جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، وبشراكة مع المعهد الوطني المتعدد التخصصات فيليكس هوفويت-بوانيي، وبدعم من فرع مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط بإفريقيا، ومساهمة من مبادرة «ليث» (LEET Initiative).
وجرى افتتاح مؤسسة «ديجيتال فارم سكول»، السبت 31 أكتوبر ، داخل المعهد الوطني المتعدد التخصصات فيليكس هوفويت-بوانيي، في إطار الشراكة الموقعة سنة 2023 بين الدولة الإيفوارية ومجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، بهدف إعداد جيل جديد من الكفاءات القادرة على توظيف التكنولوجيا في تطوير الأنظمة الزراعية الإفريقية.
وتعتمد المدرسة مقاربة تكوينية تجمع بين العلوم الزراعية والبرمجة وتكنولوجيا المعلومات وريادة الأعمال، مع منح الجانب التطبيقي مكانة أساسية، حتى يتمكن المتدربون من ابتكار حلول تقنية تستجيب لخصوصيات الواقع الزراعي في القارة، بدل الاكتفاء بتكوين نظري منفصل عن حاجيات الميدان.
ومن المرتقب أن تستقبل المؤسسة دفعتها الأولى ابتداء من 9 نونبر الجاري، وتتكون من 50 متدربا، بعدما استقطبت عملية انتقاء المرشحين حوالي أربعة آلاف طلب ترشح. وسيستفيد هؤلاء من فضاء تطبيقي واسع، يتمثل في مزرعة تجريبية تمتد على مساحة 170 هكتارا، ستشكل مجالا لاختبار الحلول التكنولوجية وتطويرها وملاءمتها مع الظروف الزراعية الإفريقية.
وحضر حفل الافتتاح عدد من المسؤولين المغاربة والإيفواريين، من بينهم برونو ناباني كوني، وزير الزراعة والتنمية القروية والإنتاج الغذائي، وأداما ديوارا، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وكيني كوموي، الوزير المكلف بالإنتاج الغذائي، إلى جانب سفير المغرب في كوت ديفوار عثمان الفردوس، وهشام الهبطي، رئيس جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، وخالد بادو، رئيس جمعية «ديجيتال فارم سكول»، ومسؤولين وشخصيات أخرى.
وتابع الحاضرون بهذه المناسبة شريطا تعريفيا استعرض مهام المدرسة وأهدافها، إلى جانب أساليب التدريس والتكوين التي تعتمدها، قبل أن تبرز الكلمات الرسمية الأبعاد الاستراتيجية لهذا المشروع في سياق التعاون بين البلدين.
وفي هذا الإطار، وصف السفير المغربي عثمان الفردوس الشراكة بين المغرب وكوت ديفوار بأنها شراكة «لا حدود لها»، مشيرا إلى ما يجمع البلدين من انفتاح اقتصادي وتنوع في بنيتهما الاقتصادية وارتباط بالمحيط الأطلسي، فضلا عن تقارب وجهات النظر في ظل قيادة الملك محمد السادس والرئيس الإيفواري الحسن واتارا.
وأضاف أن المدرسة تجسد توجها جديدا في التعاون الثنائي، يقوم على مشاريع عملية تجمع بين تخصصات مختلفة، موضحا أنها تقدم نموذجا يربط علم الزراعة بعلم الحاسوب والإلكترونيات، من خلال منهج تعليمي مبتكر.
من جهته، اعتبر هشام الهبطي أن الزراعة الإفريقية تدخل مرحلة باتت فيها المعرفة عاملا أساسيا في خلق القيمة، إلى جانب الموارد الطبيعية.
واستحضر في هذا السياق أن القارة تضم ما يقرب من 60 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة على المستوى العالمي، مؤكدا أن التحدي لا يتعلق فقط بتحديث الممارسات الزراعية، بل بتحويل هذا الرصيد إلى قيمة اقتصادية عبر امتلاك المعارف والتقنيات اللازمة للتحكم في الأنظمة الإنتاجية.
وشدد رئيس جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية على أن إنشاء مدرسة الزراعة الرقمية يستند إلى قناعة مفادها أن تنمية المواهب وإنتاج المعرفة ينبغي أن يسيرا جنبا إلى جنب، بما يتيح للقارة تطوير حلولها الخاصة وتعزيز قدراتها في المجال الزراعي.
بدوره، أوضح موسى عبد القادر ديابي، المدير العام للمعهد الوطني المتعدد التخصصات، أن المشروع يقوم على مبدأ تكامل الخبرات، باعتبار أن التحولات الكبرى لا تتحقق بجهود مؤسسة واحدة، وإنما عبر الشراكة والثقة والعمل المشترك.
كما نوه بالتعاون مع المغرب، الذي وصفه بأنه تعاون طويل الأمد، معربا عن تقديره لالتزام مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بإنجاز هذا المشروع.
واختتم حفل الافتتاح بحلقة نقاش تناولت موضوع «تدريب الجيل الجديد من قادة الزراعة الرقمية في إفريقيا»، في تأكيد على الرهان الذي تحمله هذه المؤسسة، والمتمثل في جعل التكنولوجيا والمعرفة والابتكار أدوات لتطوير الزراعة الإفريقية وتأهيل كفاءاتها المستقبلية.



