فرض التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي نفسه على النقاش القانوني الدولي، مع تزايد الحاجة إلى قواعد تشريعية تتيح الاستفادة من إمكاناته في تطوير العدالة، دون المساس بحقوق الإنسان واستقلالية الدفاع والسر المهني.
وكانت هذه القضية في صلب افتتاح المؤتمر السبعين للاتحاد الدولي للمحامين بمدينة مراكش، الأربعاء 28 أكتوبر ، تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس.
وأكد رئيس الاتحاد الدولي للمحامين، إيرنانديز غوميز، ضرورة وضع إطار تشريعي واضح وحاسم ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال العدالة، مع ضمان المسؤولية القانونية وحماية حقوق الإنسان.
وأبرز أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تتيح إمكانات لتسريع إجراءات التقاضي وتيسير الوصول إلى المعلومات القانونية، غير أن توظيفها يثير تحديات تتعلق بسيادة القانون وصون الكرامة الإنسانية.
وتطرح هذه التحولات، وفق مضامين النقاش الذي احتضنه المؤتمر، ضرورة تحديث التشريعات حتى تواكب الثورة الرقمية، مع تجنب أن تتحول التكنولوجيا إلى عامل يمس ضمانات العدالة أو ينتقص من حقوق المتقاضين.
ويبرز بذلك التحدي المتمثل في تحقيق التوازن بين تطوير الخدمات القانونية والاستفادة من الأدوات الرقمية، وبين إخضاع استخدامها لضوابط تحمي الحقوق والحريات.
ومن جانبه، شدد الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، على مركزية استقلالية الدفاع في منظومة العدالة، منبهاً إلى التداعيات المحتملة للرقمنة على حماية المعطيات الشخصية والسر المهني.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة بالنسبة إلى مهنة المحاماة، بالنظر إلى ارتباطها بسرية المعلومات التي يتقاسمها المحامي مع موكله، وما يقتضيه ذلك من ضمانات قانونية عند استخدام التقنيات الحديثة.
ولا يقتصر برنامج المؤتمر على إشكالات الذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى قضايا الرياضة وحقوق الإنسان والاقتصاد والتنمية المستدامة، فضلاً عن التشريعات المنظمة للتجارة الدولية.
ويبحث المشاركون من خلال هذه المحاور أدوار القانون في مواكبة التحولات التي تعرفها مختلف القطاعات، وما تطرحه من تحديات تتطلب التعاون وتبادل الخبرات بين المهنيين القانونيين.
ويُعقد هذا الموعد الدولي بشراكة مع وزارة العدل والمجلس الجماعي لمراكش، بمشاركة أزيد من ألف محام وخبير قانوني من مختلف القارات، فيما تتواصل جلسات عمل لجان الخبراء إلى غاية السبت المقبل.
ويعكس احتضان مراكش لهذا المؤتمر أهمية الحوار القانوني الدولي في مناقشة قضايا مهنية وحقوقية تتجاوز الحدود الوطنية، كما يضع التحول الرقمي أمام المحامين وخبراء القانون باعتباره مجالاً يتطلب مواكبة تشريعية مستمرة.
فالمطلوب ليس إقصاء الذكاء الاصطناعي من منظومة العدالة، بل ضمان استخدامه في إطار قانوني يحمي حقوق الإنسان، ويصون استقلالية المحاماة، ويحافظ على البعد الإنساني للعدالة.



