حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

يضع تمثيل رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، للملك محمد السادس في القمة الروسية الإفريقية الثالثة، المنعقدة بموسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026، العلاقات المغربية الروسية أمام فرصة جديدة لاستكشاف مجالات التعاون الممكنة، في امتداد لمسار ثنائي راكم محطات سياسية واقتصادية مهمة خلال السنوات الماضية.

وتكتسب هذه المشاركة أهميتها من كونها تتيح للمغرب مواصلة التواصل المباشر مع القيادة الروسية، في إطار علاقات تقوم على المصالح المتبادلة والحوار بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك. غير أن القيمة الفعلية لهذا الحضور ستظل مرتبطة بما يمكن أن يتيحه من فرص لتطوير التعاون الثنائي، وليس بالتمثيل الرسمي في حد ذاته.

وتشكل الزيارة الملكية إلى موسكو سنة 2016 إحدى المحطات البارزة في مسار العلاقات بين البلدين، إذ أسهمت في إعطاء دفعة للتعاون في مجالات متعددة، من بينها التجارة والاستثمار والفلاحة والطاقة. وقد أظهرت تلك المحطة أن الرباط وموسكو تمتلكان إمكانات لتطوير المصالح المشتركة، رغم اختلاف مواقفهما بشأن بعض القضايا الدولية.

ومن الناحية الاقتصادية، تبرز الفلاحة والأمن الغذائي ضمن المجالات التي تستحق اهتمامًا متواصلًا في العلاقات الثنائية. فروسيا مورد مهم للحبوب والأسمدة، بينما يمتلك المغرب خبرة في عدد من سلاسل الإنتاج الفلاحي، إلى جانب إمكانات في تصدير المنتجات الزراعية والغذائية. ويتيح هذا التكامل النسبي التفكير في تعاون يقوم على تنويع المبادلات وتحسين ولوج المنتجات المغربية إلى السوق الروسية، مع العمل على معالجة التحديات المرتبطة بالنقل والتنافسية وشروط الولوج إلى الأسواق.

كما تظل قطاعات الطاقة والصناعة والاستثمار والتكنولوجيا من المجالات التي يمكن بحث فرص تطويرها، شريطة الانتقال من إعلان الرغبة في التعاون إلى تحديد مشاريع واضحة، وآجال تنفيذها، والجهات المسؤولة عنها. فالعلاقات الاقتصادية المستدامة لا تُقاس فقط بحجم الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرتها على خلق قيمة مضافة وتوسيع المبادلات وتوفير فرص جديدة للمقاولات في البلدين.

ولا ينفصل التعاون الاقتصادي عن الحوار السياسي، الذي يظل ضروريًا في ظل مكانة روسيا داخل مجلس الأمن الدولي. ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة بالنسبة للمغرب في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، حيث تتيح العلاقات الثنائية مواصلة شرح الموقف المغربي والدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي، دون افتراض أن استمرار الحوار يعني تطابقًا كاملًا في مواقف البلدين.

ومن ثم، فإن تطوير العلاقات المغربية الروسية يقتضي الجمع بين الحفاظ على قنوات التشاور السياسي وتوسيع قاعدة التعاون الاقتصادي، مع إعطاء الأولوية للمجالات التي تتوفر فيها فرص واقعية لتحقيق نتائج ملموسة. كما أن انتظام التواصل بين المسؤولين وتفعيل الاتفاقيات القائمة يمكن أن يساعدا على جعل الشراكة أكثر وضوحًا من حيث الأهداف والمردودية.

وفي هذا السياق، تمنح مشاركة رئيسة الحكومة في القمة الروسية الإفريقية فرصة لإبراز اهتمام المغرب بمواصلة علاقاته مع موسكو وتعزيز التعاون في المجالات التي تخدم المصالح الوطنية. لكن تقييم حصيلة هذه المشاركة سيظل رهينًا بما ستفضي إليه من خطوات عملية، سواء على مستوى المبادلات التجارية أو الاستثمار أو التنسيق السياسي.

وهكذا، لا تكمن أهمية المحطة الروسية في رمزية التمثيل وحدها، بل في مدى القدرة على تحويل التواصل السياسي إلى تعاون ملموس، يراعي خصوصية العلاقات بين البلدين ويستجيب لأولويات المغرب الاقتصادية والدبلوماسية. فالمعيار الأساسي لنجاح أي شراكة يظل ما تحققه من نتائج قابلة للقياس، وما تفتحه من آفاق جديدة أمام المصالح المشتركة.