حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

رسخت البنوك المغربية حضورها ضمن نخبة المؤسسات المصرفية الأفريقية، بعدما حجزت ثلاثة منها مواقع ضمن المراتب العشر الأولى في تصنيف أكبر 100 بنك بالقارة لعام 2026، الذي نشرته مجلة «African Business» في 5 أكتوبر الجاري.

وتقدم التجاري وفا بنك قائمة المؤسسات المغربية باحتلاله المركز الثالث قارياً، متبوعاً بالبنك الشعبي المركزي في المرتبة السادسة، ثم بنك أفريقيا في المركز التاسع، وفق معيار رأس المال من الفئة الأولى، الذي يُستخدم لقياس القوة الرأسمالية للبنوك.

ويعكس هذا الترتيب المكانة التي راكمتها المجموعات المصرفية المغربية في السوق الأفريقية، بفضل توسعها خارج الحدود الوطنية وتعزيز حضورها في عدد من الأسواق، ولا سيما في غرب ووسط أفريقيا.

كما يبرز قدرة هذه المؤسسات على المنافسة في قطاع تتصدره مجموعات مصرفية كبرى من جنوب أفريقيا ومصر، في ظل تحولات مالية واقتصادية تؤثر في أحجام رؤوس الأموال وترتيب المؤسسات.

ويحتل التجاري وفا بنك موقعاً متقدماً في هذا المشهد، بعدما حافظ على المركز الثالث قارياً، ورفع رأسماله من الفئة الأولى من 6.25 مليارات دولار في تصنيف العام الماضي إلى نحو 7.68 مليارات دولار في تصنيف 2026، بزيادة تقارب 22.9 في المائة. ووفق المجلة، تنشط المجموعة في 27 بلداً، وتقدم خدماتها لنحو 12 مليون زبون، ما يعكس امتداد شبكتها خارج السوق المغربية.

ويأتي البنك الشعبي المركزي في المركز السادس أفريقياً، برأسمال من الفئة الأولى يبلغ نحو 5.87 مليارات دولار، فيما حل بنك أفريقيا، التابع لمجموعة البنك المغربي للتجارة الخارجية سابقاً، في المركز التاسع برأسمال يقارب 3.84 مليارات دولار، بعدما تقدم من المرتبة الحادية عشرة في تصنيف العام الماضي.

ولا تقتصر دلالة هذه النتائج على ترتيب ثلاثة بنوك مغربية ضمن العشرة الأوائل، بل تمتد إلى الوزن الجماعي للقطاع المصرفي الوطني. فقد ارتفع مجموع رأس المال من الفئة الأولى للبنوك المغربية المدرجة في تصنيف المجلة من 20.3 مليار دولار إلى 23.3 مليار دولار، بزيادة قدرها 14.8 في المائة. كما تضم قائمة أكبر 20 بنكاً في شمال أفريقيا ثمانية بنوك مغربية، وفق المعطيات الواردة في التصنيف.

وعلى مستوى التمثيل الوطني ضمن العشرة الأوائل قارياً، جاءت جنوب أفريقيا في الصدارة بأربعة بنوك، تليها المملكة المغربية بثلاثة بنوك، ثم مصر بمؤسستين مصرفيتين، والجزائر ببنك واحد.

ويبرز هذا التوزيع استمرار الثقل المصرفي لجنوب القارة وشمالها، مع حضور مغربي لافت بالنظر إلى عدد المؤسسات التي نجحت في بلوغ المراتب المتقدمة.

وتعزز هذه النتائج موقع شمال أفريقيا باعتبارها إحدى أهم المناطق المصرفية في القارة. ووفق «African Business»، ارتفع مجموع رأس المال من الفئة الأولى لبنوك المنطقة من 58 مليار دولار إلى 70.5 مليار دولار، بزيادة بلغت 21 في المائة، فيما تجاوز إجمالي أصولها 830 مليار دولار.

أما على المستوى الأفريقي العام، فقد سجلت البنوك المائة المدرجة في التصنيف نمواً ملحوظاً في قواعدها الرأسمالية. وارتفع مجموع رأس المال من الفئة الأولى بنسبة 23 في المائة، ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 155 مليار دولار، مقابل 126.1 مليار دولار في تصنيف 2025. كما ارتفع مجموع الأصول من 1.56 تريليون دولار إلى 1.8 تريليون دولار، بنمو نسبته 16 في المائة.

وتوضح المجلة أن تحسن أسعار صرف عدد من العملات الأفريقية أسهم في رفع قيمة رؤوس الأموال عند احتسابها بالدولار، إلى جانب عوامل أخرى مرتبطة بالنمو الاقتصادي وربحية المؤسسات المصرفية. ولذلك، لا ينبغي تفسير ارتفاع رأس المال أو تحسن ترتيب بنك ما باعتباره دليلاً منفرداً على نمو نشاطه التشغيلي بالنسبة نفسها، إذ تتدخل في التصنيف أيضاً عوامل محاسبية ونقدية واختلافات في تواريخ إعداد البيانات المالية.
وتبرز أهمية الحضور المغربي كذلك في قدرة المجموعات المصرفية الوطنية على بناء شبكات عابرة للحدود، بما يتيح لها مواكبة المقاولات والاستثمارات والتجارة في أسواق متعددة.

فالتوسع الأفريقي لا يمنح هذه المؤسسات مجالاً أوسع للنمو فحسب، بل يضعها أيضاً أمام مسؤولية تمويل الأنشطة الاقتصادية وتوفير خدمات مصرفية تلائم حاجيات الشركات والأفراد في البلدان التي تنشط فيها.

ومع ذلك، فإن التحدي المقبل لا يتعلق فقط بالحفاظ على المراتب المتقدمة، بل بقدرة البنوك المغربية على تحويل قوتها الرأسمالية وانتشارها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية أوسع، من خلال تمويل الاستثمار والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير الخدمات الرقمية، وتوسيع الولوج إلى التمويل، والمساهمة في تنشيط المبادلات التجارية داخل القارة.

وبذلك، يقدم تصنيف 2026 مؤشراً واضحاً على الحضور المتقدم للمجموعات المصرفية المغربية في أفريقيا، لكنه يضع أمامها أيضاً رهانات جديدة تتجاوز حجم رأس المال والترتيب القاري، نحو تعزيز دورها في تمويل التنمية ومواكبة التحولات الاقتصادية التي تعرفها الأسواق الأفريقية.