حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

نفايات الدار البيضاء تتحول إلى كهرباء.. مشروع بـ1.5 مليار دولار يغير معادلة المدينة

تستعد الدار البيضاء لدخول مرحلة جديدة في تدبير واحد من أكثر ملفاتها تعقيدا، بعدما أصبح تحويل النفايات إلى مصدر لإنتاج الكهرباء جزءا من مشروع استثماري ضخم تقدر كلفته بنحو 1.5 مليار دولار، في خطوة يمكن أن تغير الطريقة التي تتعامل بها العاصمة الاقتصادية مع ملايين الأطنان من المخلفات التي تنتجها كل سنة.
المشروع المرتقب بمنطقة مديونة لا يقوم فقط على التخلص من النفايات، بل على تحويل جزء كبير منها إلى مورد اقتصادي وطاقي، ضمن منظومة تجمع بين تثمين المخلفات وإنتاج الكهرباء واستغلال الغاز الناتج عن تحلل النفايات والاستفادة من الطاقة الشمسية.
وتشير المعطيات التقنية للمشروع إلى قدرة مرتقبة على معالجة حوالي 1.5 مليون طن من النفايات سنويا وإنتاج نحو 115 ميغاواطا من الكهرباء، وهي طاقة يمكن أن تغطي استهلاك ما يقارب مليون شخص، ما يمنح المشروع بعدا يتجاوز النظافة الحضرية إلى الأمن الطاقي والاقتصاد الدائري.
بالنسبة إلى الدار البيضاء، القضية أكبر من إنشاء محطة جديدة. المدينة ظلت لعقود تواجه تحديا متزايدا في تدبير نفايات تجمع حضريا يضم ملايين السكان، فيما أصبح استمرار الاعتماد على الطمر التقليدي خيارا مكلفا بيئيا وعقاريا، خصوصا مع توسع المدينة وارتفاع كمية المخلفات.
وهنا تظهر أهمية مديونة. فالمنطقة التي ارتبط اسمها طويلا بأكبر مطرح للنفايات في المملكة يمكن أن تنتقل، إذا تحقق المشروع وفق التصور المعلن، من رمز لمشكلة بيئية مزمنة إلى موقع لإنتاج الطاقة واسترجاع الموارد.
لكن تحويل النفايات إلى كهرباء لا ينبغي تقديمه باعتباره حلا سحريا. فنجاح المشروع سيبقى مرتبطا بالمعايير البيئية المعتمدة، خصوصا في معالجة الانبعاثات والرماد الناتج عن عمليات التثمين الحراري، وبوجود مراقبة صارمة تضمن ألا يتحول حل مشكلة النفايات إلى مصدر جديد للتلوث.
كما أن المشروع لا يجب أن يكون بديلا عن الفرز وإعادة التدوير. فالمدينة الحديثة لا تتعامل مع كل ما يوجد في حاوية القمامة بالطريقة نفسها، بل تفصل المواد القابلة لإعادة الاستعمال والتدوير قبل توجيه الجزء المتبقي إلى مسارات التثمين الطاقي أو المعالجة النهائية.
وهذه النقطة تحديدا قد تكون بداية تحول أوسع في الدار البيضاء. فمشروع بهذا الحجم يحتاج إلى سلسلة متكاملة تبدأ من طريقة جمع النفايات داخل الأحياء، وتمر بالفرز والنقل والمعالجة، وتنتهي بإنتاج الكهرباء واسترجاع المواد القابلة للتثمين.
الجانب الاقتصادي بدوره لا يقل أهمية. استثمار بقيمة 1.5 مليار دولار يعني أوراش بناء وتجهيز وهندسة وصيانة وخدمات وفرص شغل مباشرة وغير مباشرة، كما يمكن أن يفتح المجال أمام ظهور مقاولات متخصصة في الاقتصاد الدائري والتدوير والتكنولوجيا البيئية.
ويرتقب، وفق البرنامج المعلن، أن تنطلق أعمال البناء قبل نهاية 2026 بعد استكمال ترتيبات التمويل، على أن يصل المشروع إلى التشغيل الكامل في أفق منتصف 2030، ما يعني أن الدار البيضاء أمام ورش يمتد لسنوات وليس أمام حل فوري لمشكلة النفايات.
وإذا نجحت التجربة، فإن تأثيرها قد يتجاوز حدود العاصمة الاقتصادية. فالرباط وطنجة ومراكش وفاس وأكادير ومدن أخرى تواجه بدورها تحديات متزايدة مرتبطة بالنفايات، وقد تتحول تجربة الدار البيضاء إلى نموذج يمكن تطويره وفق خصوصيات كل جهة.
المفارقة أن ما اعتبر لسنوات عبئا على المدينة قد يصبح جزءا من مواردها. فكل طن من النفايات يصل اليوم إلى المطرح يحمل تكلفة جمع ونقل ومعالجة، بينما يقوم النموذج الجديد على محاولة استخراج قيمة من هذا الطن قبل التخلص النهائي مما يتبقى منه.
وهنا يكمن الرهان الحقيقي: هل تستطيع الدار البيضاء الانتقال من مدينة تدفع للتخلص من نفاياتها إلى مدينة تنتج من جزء منها الكهرباء والقيمة الاقتصادية؟
إذا تحقق ذلك وفق معايير بيئية صارمة ومنظومة حقيقية للفرز والتدوير، فلن يكون المشروع مجرد محطة كهرباء في مديونة، بل بداية تغيير في الطريقة التي تنظر بها أكبر مدينة في المغرب إلى نفاياتها.