محمد السرغيني يرحل في صمت.. حين يطغى ضجيج العابر على رحيل الكبار
مكر الصدف أن يرحل شاعر بحجم محمد السرغيني في يوم ينشغل فيه جزء من الفضاء الرقمي بتفاصيل عابرة وشخصيات صنعت شهرتها بمنطق مختلف تماما عن منطق الثقافة والإبداع. وبين الحدثين تبدو المسافة شاسعة، لكنها تكشف في الوقت نفسه الكثير عن سلم الاهتمامات الذي أصبح يوجه جزءا من النقاش العام في زمن المنصات الاجتماعية.
محمد السرغيني ليس اسما عابرا في الشعر المغربي. نحن أمام واحد من الأصوات التي ساهمت في بناء القصيدة المغربية الحديثة، واسم ارتبط لعقود بالكتابة والجامعة والنقد والتجريب الشعري. رحيله ليس مجرد خبر وفاة شاعر، بل فقدان جزء من ذاكرة ثقافية صنعت حضورها بالكلمة والمعرفة والتراكم، بعيدا عن منطق الضجيج والبحث عن الانتشار السريع.
المفارقة المؤلمة ليست في أن يتزامن رحيل شاعر كبير مع حدث آخر يشغل الجمهور، فالأحداث لا تختار مواعيدها، وإنما في الطريقة التي أصبح بها ميزان الاهتمام يميل أحيانا نحو التفاصيل الأكثر إثارة على حساب الأسماء التي أعطت للثقافة المغربية سنوات من حياتها. دقائق قليلة قد تكون كافية اليوم لصناعة “ترند”، بينما يحتاج شاعر أو مفكر أو باحث إلى عقود من العمل حتى يجد مساحة تليق بمنجزه.
هنا لا يتعلق الأمر بمحاكمة اختيارات الناس ولا بالسخرية من اهتماماتهم، وإنما بطرح سؤال مهني وثقافي على الإعلام نفسه: من يصنع الأولويات؟ هل الجمهور وحده من يقرر ما يتصدر الواجهة، أم أن وسائل الإعلام والمنصات تتحمل بدورها مسؤولية عندما تلاحق كل ما يحقق المشاهدة وتترك الثقافة في الزوايا الخلفية؟
حين يرحل شاعر من قيمة محمد السرغيني، يفترض أن تكون المناسبة فرصة لإعادة قراءة أعماله وتعريف الأجيال الجديدة بمساره وبمكانته في تاريخ الشعر المغربي، لا أن يتحول خبر وفاته إلى سطر سريع يختفي بعد ساعات وسط سيل الأخبار والمنشورات. فتكريم المثقف الحقيقي لا يكون فقط بكلمات الرثاء، وإنما بحفظ إنتاجه وإعادة نشره وقراءته وإدخاله إلى النقاش الثقافي للأجيال الجديدة.
لقد تغيرت قواعد الشهرة في زمن الشبكات الاجتماعية. لم تعد القيمة دائما هي التي تحدد حجم الحضور، بل أصبحت الإثارة والسرعة والقدرة على جذب التفاعل عوامل أساسية في صناعة الأسماء والأحداث. وهكذا يمكن لتفصيل عابر أن يحتل الشاشات لساعات، فيما يغادر شاعر حمل القصيدة المغربية لعقود دون أن يحظى بالمساحة التي يستحقها.
وليست القضية مرتبطة بشخص بعينه، ولا ينبغي تحويلها إلى مواجهة بين الراحل محمد السرغيني وأي شخصية أخرى. القضية أكبر من ذلك بكثير، لأنها تتعلق بمجتمع يحتاج إلى أن يسأل نفسه عن موقع الشعر والأدب والفكر في حياته اليومية، وعن مكانة من صنعوا ذاكرته الثقافية في مقابل نجومية رقمية قد تولد اليوم وتختفي غدا.
في “جهات”، نرى أن رحيل محمد السرغيني يجب أن يكون لحظة وفاء للثقافة المغربية، ولجيل من المبدعين الذين اشتغلوا في هدوء وتركوا وراءهم ما هو أبقى من عدد المشاهدات والمتابعين. فالضجيج مهما ارتفع ينتهي، أما القصيدة الحقيقية فتملك قدرة غريبة على البقاء.
رحل محمد السرغيني، وستتغير مواضيع المنصات بعد ساعات أو أيام، وستأتي موجة جديدة من الأخبار والأسماء، لكن ما كتبه الشاعر سيظل جزءا من الذاكرة الأدبية المغربية. وربما هنا تحديدا يكمن مكر الصدف: أن يذكرنا رحيل شاعر كبير، وسط كل هذا الضجيج، بأن الشهرة شيء والقيمة شيء آخر تماما.



