حين تتحول الجنائز إلى سباق وراء «المباشر»
أعادت طريقة تغطية مراسيم تشييع الراحل أمين هاشم شفيق إلى الواجهة نقاشاً مهنياً وأخلاقياً أصبح يفرض نفسه داخل المشهد الإعلامي الوطني، ويتعلق بالحدود التي ينبغي أن تقف عندها الكاميرا عندما يتعلق الأمر بالموت وحرمة العائلات وحقها في عيش لحظات الحزن بعيداً عن ضغط البث المباشر وسباق المشاهدات.
فالصحافة من حقها، بل من واجبها، نقل الخبر وتوثيق الأحداث التي تهم الرأي العام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصيات عامة. غير أن هذا الحق لا يمكن أن يتحول إلى مبرر لملاحقة الموكب الجنائزي لحظة بلحظة، أو الاقتراب المفرط من أفراد الأسرة والمشيعين، وتحويل لحظة الوداع الأخيرة إلى مادة مفتوحة للتعليقات والبث المتواصل.
ما يثير الاستغراب أن هذه الممارسات لم تعد حالات معزولة. ففي أكثر من جنازة أصبحنا نشاهد أشخاصاً يحملون الهواتف والكاميرات ويتتبعون المواكب الجنائزية، بل وأحياناً على متن دراجات نارية، في محاولة لمواصلة «المباشر» من نقطة إلى أخرى، مصحوباً بتعليقات لا تحمل في كثير من الأحيان قيمة إخبارية حقيقية.
وإذا استمر هذا السباق على هذا المنوال، فربما لم يعد ينقص المشهد سوى أن تدخل القنوات العمومية والإذاعات الوطنية بدورها على الخط، فتخصص «استوديو خاصاً» لمتابعة الجنائز، ومراسلاً عند باب المقبرة، وآخر خلف سيارة نقل الجثمان، وثالثاً وسط المشيعين، مع شريط عاجل يخبر المشاهد بأن الموكب أصبح على بعد أمتار من المقبرة، قبل أن تبدأ التحليلات حول من حضر ومن غاب ومن وقف في الصف الأول!
وقد نجد أنفسنا، وفق هذا المنطق، أمام «تغطية خاصة» تبدأ منذ خروج الجثمان ولا تنتهي إلا بعد مغادرة آخر فرد من أفراد العائلة، تتخللها اتصالات مباشرة وتعليقات وتحليلات، وكأننا أمام حدث رياضي أو استحقاق انتخابي يحتاج إلى متابعة لحظة بلحظة.
هذه السخرية ليست موجهة إلى مؤسسة إعلامية بعينها، وإنما إلى منطق بدأ يتسلل إلى جزء من الممارسة الإعلامية: إذا كان المباشر يحقق المشاهدات، فلماذا لا يبقى الهاتف مفتوحاً حتى داخل المقبرة؟ وإذا كانت دموع أهل الميت تجلب التفاعل، فلماذا نضيع «اللقطة»؟
هنا تحديداً يجب أن تتوقف الصحافة وتسأل نفسها: إلى أين نريد الوصول؟
ماذا سيخسر المتلقي إذا توقفت الكاميرا لبضع دقائق احتراماً لحرمة الميت ومشاعر عائلته؟ وما القيمة الصحفية في نقل تفاصيل الحزن والدفن لحظة بلحظة، أو ملاحقة وجوه أفراد الأسرة بحثاً عن صورة مؤثرة قد ترفع أرقام المشاهدة؟
الصحافة ليست مجرد كاميرا مفتوحة، والصحافي ليس مطالباً بأن يصور كل ما تقع عليه عيناه. جوهر المهنة يقوم على الاختيار والتقدير والمسؤولية، والتمييز بين ما يشكل معلومة ذات مصلحة عامة وما يدخل في دائرة الخصوصية والكرامة الإنسانية.
وكان الأجدر، خلال مراسيم تشييع أمين هاشم شفيق وغيرها من الجنائز، الاكتفاء بتغطية مهنية تحفظ حق الجمهور في المعرفة، ثم ترك العائلة تتلقى العزاء في أجواء من السكينة والخشوع، بعيداً عن الهواتف المرفوعة والأسئلة والتعليقات والبحث المستمر عن لقطة جديدة.
المشكل أعمق من واقعة بعينها، لأنه يرتبط بتحول بدأ يصيب جزءاً من الممارسة الإعلامية في زمن المنصات الرقمية، حيث أصبحت بعض التغطيات تقاس بعدد المشاهدات والتفاعلات أكثر مما تقاس بقيمتها الإخبارية. وهنا يصبح الخطر قائماً عندما تتحول المأساة الإنسانية إلى فرصة لرفع نسب المتابعة، ويصبح الحزن مادة للمنافسة الرقمية.
إن الصحافة التي نريدها ليست صحافة صامتة، ولا صحافة تتخلى عن دورها في نقل الأحداث، وإنما صحافة تعرف متى تقترب ومتى تحافظ على المسافة، ومتى تكون الصورة ضرورية ومتى يصبح إطفاء الكاميرا أكثر مهنية من استمرار التصوير.
حرية الصحافة لا تتعارض مع احترام حرمة الموت، كما أن السبق الصحفي لا يبرر تجاوز مشاعر الأسر. ويمكن نقل خبر الجنازة وتوثيق حضور الشخصيات وتقديم المعلومات الضرورية دون تحويل المقبرة إلى فضاء للبث المفتوح ودون ملاحقة أفراد العائلة في أكثر لحظاتهم ألماً.
لقد أصبح من الضروري أن يعيد الجسم الصحفي الوطني مناقشة هذه الممارسات ووضع الأخلاق المهنية في قلب التحول الرقمي الذي تعيشه وسائل الإعلام. فليس كل ما يحقق المشاهدات يستحق النشر، وليس كل ما يمكن تصويره يجب تصويره، وليس كل حدث يحتاج إلى بث مباشر.
في جهات نؤمن بأن الصحافة مسؤولية قبل أن تكون سباقاً، وبأن كرامة الإنسان تظل فوق منطق «المشاهدات». لذلك نقولها دون مزايدة على أحد: اتركوا للعائلات حقها في الحزن، واتركوا للمقابر سكينتها، واتركوا للأموات حرمتهم.
فالخبر يمكن نقله في دقائق، أما جرح العائلة فقد يبقى سنوات.



