السيولة البنكية تتحسن.. كيف تتحول أموال البنوك إلى تمويل حقيقي للمقاولة والمواطن؟
حين تتحدث التقارير المالية عن تحسن السيولة البنكية أو تراجع حاجة البنوك إلى التمويل، تبدو اللغة بعيدة عن الحياة اليومية للمواطن. أرقام بالمليارات ونسب وفوائد وتدخلات نقدية قد تبدو شأناً يخص البنوك والاقتصاديين وحدهم، لكن الحقيقة أن ما يحدث داخل النظام البنكي يصل في النهاية إلى المقاولة التي تريد شراء آلة، والشاب الذي يبحث عن تمويل لمشروع، والأسرة التي ترغب في اقتناء منزل، والتاجر الذي يحتاج إلى السيولة لتوسيع نشاطه. لذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط ما إذا كانت وضعية السيولة داخل البنوك قد تحسنت، وإنما كيف يمكن أن يتحول هذا التحسن إلى تمويل أكبر للاقتصاد الحقيقي.
فالمال داخل البنك لا يصنع التنمية بمجرد وجوده. قيمته الاقتصادية تبدأ عندما يتحول إلى قرض يمول مصنعاً أو مشروعاً سياحياً أو شركة ناشئة أو مسكناً أو استثماراً فلاحياً أو نشاطاً تجارياً قادراً على خلق الدخل وفرص العمل. وكلما كانت العلاقة بين النظام المالي والاقتصاد الحقيقي أكثر فعالية، أصبح القطاع البنكي شريكاً مباشراً في النمو وليس مجرد مكان لحفظ الأموال وإدارة المعاملات.
المغرب يمتلك قطاعاً بنكياً قوياً راكم خبرة كبيرة داخل المملكة وخارجها، ونجحت مجموعات مصرفية مغربية في بناء حضور مهم في عدد من الأسواق الإفريقية. وهذه القوة تمثل أحد أصول الاقتصاد الوطني، لكنها ترفع في الوقت نفسه سقف الانتظارات، خصوصاً لدى المقاولات الصغيرة والمتوسطة التي ما زالت تعتبر الوصول إلى التمويل واحداً من أكبر التحديات التي تواجهها.
فصاحب المقاولة الصغيرة لا يتحدث عادة عن السيولة البنكية بمصطلحات الاقتصاد الكلي. هو يختصر الموضوع في سؤال واحد: هل سيوافق البنك على تمويل مشروعي؟
وقد تكون لديه شركة تعمل وزبناء وطلبات وفرصة للنمو، لكنه يحتاج إلى شراء معدات أو تمويل مخزون أو انتظار مستحقات لم تصل بعد. وهنا تصبح سرعة الوصول إلى التمويل وشروطه وكلفته عوامل قد تحدد ما إذا كانت الشركة ستكبر أو ستبقى في مكانها.
ولا يمكن تحميل البنوك وحدها مسؤولية كل صعوبات التمويل. فالمؤسسة البنكية تدير أموال المودعين، ومن الطبيعي أن تدرس المخاطر وقدرة المقترض على السداد. تمويل مشروع دون دراسة ليس تشجيعاً للاستثمار، بل قد يتحول إلى دين يضر بالمقاول والبنك معاً.
لكن بين التمويل المتهور والتشدد المفرط توجد مساحة واسعة يمكن تحسينها.
المقاولات الجديدة، على سبيل المثال، لا تمتلك دائماً سنوات من البيانات المالية التي تطلبها طرق التقييم التقليدية، لكنها قد تمتلك عقوداً أو تدفقات مالية أو نموذج أعمال واعداً. وهنا تستطيع الرقمنة وتحليل البيانات وتطوير أدوات ضمان التمويل أن تمنح البنوك قدرة أكبر على تقييم المشروع بناء على نشاطه الحقيقي وليس فقط على حجم الضمانات التي يستطيع صاحبه تقديمها.
فإذا كان التمويل يذهب أساساً إلى من يملك العقار الذي يمكن رهنه، فقد يجد صاحب الفكرة الجيدة نفسه خارج النظام لأنه لا يمتلك ضماناً مادياً، بينما الهدف من الاقتصاد الحديث هو أن تصبح جودة المشروع نفسها جزءاً أساسياً من قرار التمويل.
وهذا الأمر أكثر أهمية بالنسبة للشباب.
فالدعوة إلى المبادرة والمقاولة تحتاج إلى منظومة مالية تفهم طبيعة المشاريع الجديدة. الشاب الذي يريد إنشاء شركة في التكنولوجيا أو الإنتاج الرقمي أو الخدمات أو السياحة قد لا يحتاج إلى مصنع أو مخزون كبير، وبالتالي فإن أصوله الأساسية يمكن أن تكون المعرفة والفكرة والزبائن والعقود.
البنك التقليدي اعتاد تمويل الأصول الملموسة، بينما اقتصاد المستقبل يقوم بصورة متزايدة على أصول لا يمكن وضع اليد عليها.
وهنا يحتاج القطاع المالي إلى التطور بالسرعة نفسها التي يتطور بها الاقتصاد.
كما أن تحسين تمويل المقاولات لا يعني منح القروض فقط. يمكن تطوير أدوات أخرى مثل الاستثمار في رأس المال والتمويل التشاركي وضمان القروض وصناديق الاستثمار الموجهة للشركات الصغيرة والمتوسطة، حتى لا يجد صاحب المشروع نفسه أمام باب واحد فقط للحصول على المال.
فبعض المشاريع تحتاج إلى شريك في رأس المال أكثر مما تحتاج إلى دين شهري يبدأ سداده قبل أن يصل المشروع إلى مرحلة الربحية.
أما بالنسبة للأسر، فإن القضية تأخذ شكلاً آخر. القرض السكني أو قرض التجهيز أو التمويل الشخصي يمكن أن يساعد المواطن على تحقيق احتياجات لا يستطيع تمويلها دفعة واحدة، لكن ارتفاع تكلفة الاقتراض قد يجعل القرار أكثر صعوبة.
وهنا تظهر أهمية المنافسة والشفافية.
المواطن يحتاج إلى معرفة الكلفة الحقيقية للقرض، لا قيمة القسط الشهري فقط. كم سيدفع في النهاية؟ ما تكلفة التأمين؟ وما الرسوم؟ وهل يستطيع السداد المبكر؟ وكيف تتغير التكلفة إذا تغيرت شروط التمويل؟
كلما كانت هذه المعلومات واضحة، أصبح قرار الاقتراض أكثر مسؤولية وانخفض خطر تحول التمويل من أداة لتحسين الحياة إلى عبء طويل الأمد.
كما أن التمويل العقاري يحتاج إلى أن يرتبط بسياسة السكن نفسها. لا يستطيع القرض وحده حل مشكلة ارتفاع أسعار العقارات إذا أصبحت قيمة المسكن أكبر بكثير من قدرة الأسرة على السداد. لذلك فإن توفير العرض السكني بأسعار مناسبة وتطوير المدن والنقل وتوسيع المناطق القابلة للسكن عناصر تؤثر في قدرة المواطن على التملك بقدر ما تؤثر فيها نسبة الفائدة.
والفلاحة بدورها تحتاج إلى نموذج تمويل يراعي طبيعتها الخاصة. الفلاح لا يحصل على دخله بالطريقة نفسها التي يحصل بها الموظف على راتبه نهاية كل شهر. نشاطه مرتبط بالموسم والمناخ والأسعار، وقد يمر بسنة جيدة وأخرى صعبة.
ولهذا فإن تمويل القطاع الزراعي يحتاج إلى أدوات مرتبطة بدورة الإنتاج والتأمين ضد المخاطر وتشجيع الاستثمار في تقنيات توفير المياه والطاقة، خصوصاً مع التغيرات المناخية التي أصبحت جزءاً دائماً من المعادلة.
وفي السياحة، يمكن للتمويل أن يلعب دوراً كبيراً في إخراج التنمية من المدن الكبرى إلى الجهات. فدار ضيافة صغيرة في زاكورة أو مشروع سياحة سينمائية في ورزازات أو نشاط مرتبط بالصحراء في الرشيدية ومرزوكة قد لا يحتاج إلى استثمار بمئات الملايين، لكنه يحتاج إلى مؤسسة مالية تفهم الإمكانات الاقتصادية للمنطقة وتستطيع تقييم المشروع على أساسها.
هكذا تتحول السيولة البنكية إلى أداة للعدالة المجالية أيضاً.
فإذا بقي التمويل متركزاً في المدن والقطاعات التي تعتبر أقل مخاطرة، ستبقى المناطق التي تحتاج إلى الاستثمار أكثر صعوبة في الوصول إلى المال. بينما يمكن لآليات الضمان والمواكبة أن تقلص هذا الفرق وتفتح المجال أمام مشاريع قابلة للحياة خارج المحاور الاقتصادية التقليدية.
وهناك عنصر لا يقل أهمية هو آجال الأداء. فجزء من احتياجات الشركات إلى القروض لا يأتي بسبب ضعف نشاطها، وإنما لأنها تنتظر أموالاً مستحقة لدى زبائنها. عندما تنجز مقاولة خدمة أو تسلم منتجاً ثم تنتظر طويلاً للحصول على مستحقاتها، فإنها تلجأ إلى البنك لتمويل فجوة لم تصنعها بنفسها.
تقليص آجال الأداء يمكن بالتالي أن يكون في بعض الحالات أفضل من زيادة القروض، لأنه يحرر السيولة الموجودة أصلاً داخل الاقتصاد.
كما يمكن للرقمنة أن تغير العلاقة بين البنك والزبون بصورة عميقة. البيانات المتعلقة بحركة الحساب والفواتير والمبيعات والأداءات تستطيع أن تقدم صورة أكثر دقة عن صحة الشركة من ملف ورقي يتم تحديثه مرة واحدة في السنة.
وهذا يمكن أن يسمح بقرارات تمويل أسرع وأكثر دقة، خصوصاً للمقاولات الصغيرة.
لكن التطور التكنولوجي يجب أن يبقى مصحوباً بعلاقة إنسانية تفهم طبيعة المشروع. فالأرقام تستطيع تقييم المخاطر، لكنها لا ترى دائماً الفرصة التي يراها المقاول.
المغرب يحتاج اليوم إلى قطاع مالي يحافظ على صلابته وفي الوقت نفسه يزيد قدرته على تمويل التحول الاقتصادي الذي تعيشه المملكة.
الصناعة والطاقة والسياحة والماء والرقمنة والبنية التحتية والمقاولات الصغيرة كلها تحتاج إلى رؤوس أموال. والميزانية العامة للدولة لا تستطيع تمويل كل شيء، ولذلك يصبح القطاع البنكي والاستثمار الخاص جزءاً أساسياً من معادلة النمو.
تحسن السيولة البنكية خبر إيجابي من زاوية الاستقرار المالي، لكن المواطن والمقاول سيبحثان دائماً عن الخطوة التالية.
هل سيصبح القرض أكثر وصولاً؟ هل ستجد الشركة الصغيرة تمويلاً لتكبر؟ هل يستطيع الشاب تحويل فكرته إلى مشروع؟ هل يمكن للمستثمر في مدينة بعيدة عن المحاور الكبرى أن يجد من يؤمن بفرصته؟
هذه هي الأسئلة التي تحول المؤشرات المالية إلى اقتصاد حي.
فالأموال الموجودة في خزائن البنوك لا تخلق وظيفة وحدها، ولا تبني مصنعاً، ولا تفتح مطعماً، ولا تؤسس شركة.
المال يبدأ في صناعة التنمية عندما يتحرك.
والتحدي الحقيقي ليس فقط أن تكون بنوك المغرب قوية، بل أن تتحول هذه القوة إلى آلاف المقاولات القوية وملايين المواطنين القادرين على الاستثمار في مستقبلهم.
عندها يصبح تحسن السيولة البنكية أكثر من خبر مالي يقرأه المتخصصون، ويصبح خبراً يستطيع المواطن أن يشعر بأثره في مشروع بدأ، وشركة توسعت، ومنزل بني، وفرصة عمل ولدت.



