حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

في سياق الرهان الحكومي على تخليق الحياة العامة وتعزيز الحكامة الجيدة ومحاربة الفساد، يبرز القطاع المالي باعتباره أحد المجالات التي تتطلب يقظة مؤسساتية مستمرة، بالنظر إلى طبيعة المخاطر المرتبطة بتدبير الأموال والمعاملات المالية.

وفي هذا الإطار، تتجه المؤسسات المالية المغربية إلى الانتقال من التحسيس بمخاطر الرشوة إلى تطوير آليات أكثر انتظاما لتحديدها وتدبيرها والحد من آثارها، عبر تكوين الموارد البشرية وتقييم المخاطر وتوسيع نطاق التعاون المؤسساتي.

ويأتي هذا التوجه في وقت تضع فيه الحكومة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، محاربة الفساد وتعزيز نزاهة المرفق العام ضمن رهاناتها المعلنة، بما يجعل التنسيق بين المؤسسات الرقابية والمالية أحد المداخل العملية لترجمة الالتزامات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والتقييم.

وفي هذا السياق، عقدت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، إلى جانب بنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، الثلاثاء 20 أكتوبر بالرباط، الاجتماع السنوي السادس لتتبع اتفاقية التعاون في مجال الوقاية من الفساد ومحاربته في القطاع المالي، الموقعة في نونبر 2019.

وشكل اللقاء مناسبة لتقييم حصيلة تنفيذ الاتفاقية خلال سنتي 2025 و2026، والمصادقة على خارطة الطريق للفترة 2027-2028، فضلا عن مناقشة المستجدات الوطنية والدولية المرتبطة بالنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربته.

وتكشف حصيلة الفترة الأخيرة عن توجه نحو الاستثمار في الكفاءات البشرية، إذ استفاد أكثر من 900 موظف تابعين للمؤسسات الموقعة على الاتفاقية من دورات تكوينية وتحسيسية تروم تعزيز الوعي بمخاطر الفساد وترسيخ مبادئ النزاهة في الممارسة المهنية.

كما امتد هذا التوجه إلى الشراكة مع المؤسسة المغربية للتربية المالية، بهدف تطوير قدرات المكونين التابعين لها في مجالات النزاهة والوقاية من الفساد.

غير أن أهمية هذه المبادرات لا تقاس بعدد المستفيدين من التكوين وحده، بل بمدى انعكاسها على الممارسات اليومية، وقدرة المؤسسات على رصد الاختلالات المحتملة والتعامل معها قبل تحولها إلى مخاطر فعلية.

ومن هنا تبرز أهمية العمل على تقييم مخاطر الفساد داخل المنظومة المالية، الذي تواصل السلطات المالية الثلاث إنجازه بتنسيق مع الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، بالتوازي مع إعداد الأطر اللازمة لتنظيم هذه المخاطر والحد منها.

وعلى مستوى تبادل الخبرات، شكل تنظيم الدورة الرابعة لمنتدى الهيئات الحاصلة على شهادة ISO 37001 محطة أخرى ضمن هذه الجهود، بمشاركة أكثر من 70 مسؤولا وإطارا يمثلون 40 مؤسسة من القطاعين المالي وغير المالي.

ويعكس اتساع المشاركة نحو مؤسسات خارج القطاع المالي توجها إلى تقاسم الممارسات الفضلى وتوسيع الاستفادة من التجارب المرتبطة بأنظمة تدبير مكافحة الرشوة، بدل حصرها في المؤسسات المعنية مباشرة بالاتفاقية.

كما واصلت المؤسسات الأربع المشاركة في لقاءات وطنية ودولية مخصصة للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربته، في مسعى لتعزيز تبادل التجارب والاستفادة من الممارسات المعتمدة في هذا المجال.

وتحمل خارطة الطريق الجديدة للفترة 2027-2028 هذا المسار إلى مرحلة أخرى، من خلال التركيز على إعداد أدلة مرجعية وتنظيم دورات للتكوين والتحسيس، وتوسيع تبادل الخبرات بين المؤسسات المعنية.

كما تضع تنفيذ خطط العمل الناتجة عن عمليات تحديد مخاطر الفساد ورسم خرائطها ضمن أولوياتها، إلى جانب تطوير الشراكات مع الأوساط الأكاديمية وتعزيز التعاون مع المؤسسات النظيرة على المستوى الدولي.

ومن بين المحطات المرتقبة في هذا المسار، حصول الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، خلال سنة 2027، على شهادة المطابقة للمعيار الدولي ISO 37001 الخاص بأنظمة تدبير مكافحة الرشوة، وهو توجه يروم دعم اعتماد مقاربة مؤسساتية منظمة في الوقاية من هذه الممارسات.

وتلتقي هذه الخطوات مع الرهان الأوسع الذي تطرحه محاربة الفساد في البرنامج الحكومي، حيث لا يقتصر التحدي على إعلان الالتزامات أو إطلاق المبادرات، بل يمتد إلى ضمان فعاليتها واستمراريتها وربطها بنتائج ملموسة.

فترسيخ النزاهة يقتضي وضوح المسؤوليات، وتطوير آليات الوقاية والمراقبة، وتعزيز ثقافة المساءلة، إلى جانب تقييم أثر الإجراءات المعتمدة بصورة منتظمة.

وأكدت المؤسسات الأربع، في ختام اجتماعها، التزامها بمواصلة تعميق التعاون في مجال الوقاية من الفساد ومحاربته داخل القطاع المالي، وتطوير المبادرات المشتركة وتبادل التجارب بما يمكن أن يوفر أرضية للاستفادة منها في قطاعات أخرى.

وبذلك، تدخل الشراكة بين مؤسسات الرقابة المالية وهيئة النزاهة مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من تنسيق الجهود إلى تعزيز أدوات التدبير والوقاية. ويبقى الرهان الأساسي هو تحويل التكوين وخرائط المخاطر والمعايير الدولية إلى ممارسات مؤسساتية فعالة، بما يدعم الثقة في المنظومة المالية ويسهم في ترسيخ مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة.