حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

في سياق التحولات العميقة التي تعرفها المدرسة المغربية، وتزايد الرهانات المرتبطة بجودة التعلمات والإنصاف التربوي، تبرز جهة الدار البيضاء–سطات كأحد الفضاءات التي تعرف دينامية واضحة في تنزيل مشروع “مؤسسات الريادة” ضمن خارطة الطريق 2022-2026. وهو ورش لم يعد يقتصر على التصورات أو التوجيهات العامة، بل أصبح يترجم داخل الأقسام، وفي الممارسات الصفية اليومية، وفي طريقة تدبير المؤسسات التعليمية.

وفي هذا الإطار، استطاعت ثانوية سيبويه الإعدادية الرائدة أن تفرض نفسها كأحد النماذج البارزة على المستوى الجهوي، بعد تتويجها بالرتبة الأولى جهوياً ضمن الآلية الوطنية لتثمين الأداء التربوي، وهو تتويج يعكس مساراً من العمل التربوي والتدبيري المتكامل أكثر مما يعكس نتيجة ظرفية.

وتؤكد المديرة الإقليمية لعمالة مقاطعات الدار البيضاء أنفا، أن هذا الإنجاز يعكس التنزيل الفعلي لخارطة الطريق 2022-2026، من خلال التركيز على تحسين جودة التعلمات، وتقليص الهدر المدرسي، والارتقاء بالحياة المدرسية.

كما يبرز أن اعتماد نموذج “مؤسسات الريادة” أفرز تحولات ملموسة داخل المؤسسات التعليمية، سواء على مستوى التدبير أو على مستوى الممارسات الصفية، من خلال تعزيز المقاربة المبنية على النتائج وتوظيف المعطيات في اتخاذ القرار التربوي.

ويضيف أن هذا المسار يقوم على تعبئة جماعية وانخراط فعلي لمختلف المتدخلين، بما يجعل من المؤسسة التعليمية فضاءً للتخطيط المشترك والعمل المنسجم.

من جهته، يؤكد مدير الثانوية الإعدادية سيبويه، أن هذا التتويج هو نتيجة مسار تدبيري واضح قائم على القيادة التشاركية، حيث يتم إشراك مختلف الفاعلين في بلورة القرار التربوي وتتبع تنفيذه.

وقد اعتمدت المؤسسة مشروعاً مؤسساتياً مندمجاً يقوم على مراحل دقيقة تشمل التشخيص والتخطيط والتنفيذ ثم التتبع والتقويم، بما يسمح بضبط الأداء وتحسينه بشكل مستمر.

كما تم اعتماد تدبير مبني على النتائج، من خلال تحديد أهداف دقيقة ومؤشرات قابلة للقياس، مع تتبع دوري يمكن من اتخاذ قرارات تصحيحية مبنية على معطيات واقعية.

وإلى جانب ذلك، تم العمل على خلق مناخ مهني محفز يقوم على التحفيز وتثمين المجهودات والانفتاح على الشراكات، بما أسهم في تعزيز دينامية إيجابية داخل المؤسسة.

على مستوى تعبئة الموارد، اعتمدت المؤسسة مقاربة مندمجة تقوم على تثمين الرأسمال البشري وحسن استثمار الإمكانيات المتاحة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على عدد من المؤشرات التربوية. فقد تم تسجيل تحسن ملحوظ في التحكم في التعلمات الأساس بفضل التتبع المستمر والدعم الموجه، إلى جانب تقليص نسب الهدر المدرسي بفضل تدخلات خلية اليقظة والتواصل الدائم مع الأسر.

كما تم توسيع برنامج الدعم التربوي وتعزيز الأنشطة الموازية، مما ساهم في رفع نسب الانخراط وتحفيز المتعلمين. وعلى المستوى اللوجستيكي، تم تحسين فضاءات التعلم وتطوير البنيات التحتية وتوظيف الوسائل التعليمية بشكل أكثر نجاعة داخل الممارسة الصفية.
داخل الفصول الدراسية، يشير أحد الأساتذة إلى أن اعتماد مقاربات بيداغوجية حديثة مثل TARL والتدريس الصريح أحدث تحولاً واضحاً في طريقة التعلم.

فقد أصبح التدريس يعتمد على تشخيص دقيق لمستوى المتعلمين، وتقسيمهم إلى مجموعات حسب حاجاتهم، ثم تقديم دعم موجه قبل الانتقال إلى مرحلة التعلم المستقل.

هذا التحول ساهم في تقليص الفوارق بين المتعلمين، وتحسين مستوى التحكم في التعلمات، كما انعكس بشكل مباشر على دافعية التلاميذ الذين أصبحوا أكثر تفاعلاً ومشاركة داخل الفصل.

من جهته، يعتبر المفتش التربوي أن التكوين المستمر والمواكبة الميدانية شكلا ركيزة أساسية في هذا التحول، من خلال الزيارات الصفية المنتظمة، والتأطير الفردي، والتغذية الراجعة التي مكنت من تطوير الممارسات المهنية للأساتذة وتعزيز قدراتهم على التجديد. كما يبرز أن وضوح الرؤية التربوية، والانخراط الجماعي، واستثمار نتائج التقويم، كلها عناصر جعلت من المؤسسة نموذجاً قابلاً للاحتذاء في تنزيل النموذج البيداغوجي الجديد.

أما الأسر، فتؤكد أنها لمست تغيراً واضحاً في سلوك أبنائها ومستواهم الدراسي، حيث أصبحوا أكثر انضباطاً واستقلالية وثقة في النفس، بفضل برامج الدعم التربوي والمواكبة النفسية والاجتماعية.

كما تنوه بانفتاح المؤسسة على محيطها، من خلال لقاءات تواصلية دورية مكنت من تتبع المسار الدراسي وتعزيز الشراكة بين الأسرة والمدرسة في إطار من الثقة والمسؤولية المشتركة.

بدورهم، يعبر التلاميذ عن ارتياحهم للتغير الذي عرفته طريقة تقديم الدروس، التي أصبحت أكثر وضوحاً وتفاعلاً، مدعومة بالوسائل الرقمية والأنشطة التطبيقية.

ويؤكدون أن حصص الدعم ساعدتهم على تجاوز صعوبات التعلم، بينما ساهمت الأنشطة الموازية في جعل المؤسسة فضاءً أكثر جذباً وتحفيزاً، ما انعكس إيجاباً على رغبتهم في التعلم.

وتجسد تجربة ثانوية سيبويه الإعدادية الرائدة، نموذجاً متقدماً ضمن مؤسسات الريادة بجهة الدار البيضاء–سطات، حيث يلتقي التدبير الفعال بالممارسة الصفية والمواكبة التربوية في إطار رؤية موحدة. وهي تجربة تؤكد أن إصلاح المدرسة العمومية لا يتحقق بالشعارات، بل عبر عمل يومي متراكم، وتعبئة جماعية، وشراكة حقيقية بين مختلف الفاعلين، في أفق مدرسة عمومية أكثر جودة وإنصافاً ونجاعة.