حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

لم تكن مشاركة حزب التقدم والاشتراكية في الحكومة مجرد نتيجة لتقارب بين مكونات الأغلبية، بل ارتبطت، وفق الأمين العام للحزب نبيل بنعبدالله، بمدى الاستجابة لمطالب سياسية تتعلق بمحاربة الفساد وتضارب المصالح، وتعزيز المسار الديمقراطي والحقوقي. وهي مقاربة تعكس سعي الحزب إلى تقديم مبررات سياسية وبرنامجية لقراره المشاركة في التجربة الحكومية الجديدة.

وخلال استضافته، الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، في برنامج «نقطة إلى السطر»، قدم نبيل بنعبد الله، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، والأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، قراءة لمسار العلاقات بين حزبه وحزب الأصالة والمعاصرة، مستحضرا التحولات التي عرفتها الخريطة السياسية منذ انتخابات 2021، والظروف التي حالت دون تشكل أغلبية على أساس التقارب الذي جمع آنذاك التقدم والاشتراكية والاستقلال والأصالة والمعاصرة.

وأوضح الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية أن العلاقات مع حزب الأصالة والمعاصرة عرفت تطورا خلال السنوات الأخيرة، رغم الخلافات التي طبعت المرحلة السابقة، معتبرا أن التنسيق بين الأحزاب الثلاثة خلال استحقاقات 2021 كان يمكن أن يفتح أفقا سياسيا مختلفا، لولا تصدر التجمع الوطني للأحرار نتائج الانتخابات، وما أعقب ذلك من تغير في حسابات تشكيل الحكومة.

وتكتسي هذه الإشارة أهمية في فهم التحول الذي عرفته العلاقات بين بعض مكونات المشهد الحزبي، إذ لم تعد الخلافات السابقة، بحسب ما عرضه بنعبدالله، مانعا مطلقا أمام بناء تقاطعات جديدة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالتفاوض حول برنامج حكومي وأولويات مشتركة.

وفي معرض تقييمه للتجربة الحكومية السابقة، قال بنعبدالله إن حزبه كان يتوقع أن تطرح مشاركة التجمع الوطني للأحرار في الحكومة إشكالات مرتبطة بالتخليق وتضارب المصالح وتدبير عدد من الملفات، مضيفا أن السنوات الخمس الماضية عززت، في نظره، المخاوف التي سبق أن عبر عنها الحزب. وتندرج هذه المواقف ضمن التقييم السياسي الذي قدمه الأمين العام للتجربة السابقة، ولا تعني في حد ذاتها إثبات مسؤولية قانونية في ملفات بعينها.

وعلى مستوى العلاقات مع بقية الأحزاب، أشار بنعبدالله إلى استمرار التقارب مع حزب الاستقلال، إلى جانب التقاطع الفكري والسياسي مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بالنظر إلى مرجعيته اليسارية المشتركة مع التقدم والاشتراكية، مع الإقرار بإمكانية الاختلاف في المواقف بشأن عدد من القضايا.

غير أن النقطة الأكثر دلالة في تصريحات الأمين العام للحزب تمثلت في ربط المشاركة الحكومية بمضمون البرنامج الذي ستلتزم به الأغلبية، وليس بمجرد الانتماء إليها.

فقد شدد بنعبدالله على أن حزبه حرص خلال المفاوضات على تضمين التصريح الحكومي إشارات واضحة إلى الديمقراطية ومحاربة الفساد والرشوة وتضارب المصالح، فضلا عن تعزيز النفس الحقوقي والديمقراطي.

وبهذا المعنى، أراد الحزب، وفق ما أوضحه أمينه العام، أن يجعل من هذه المطالب أساسا سياسيا لتبرير مشاركته أمام المواطنين، وضمان أرضية يستطيع الدفاع عنها داخل الأغلبية. فالمشاركة في الحكومة،

وفق هذا المنطق، لا تلغي استقلالية الموقف الحزبي، بل تفرض توفير شروط برنامجية تسمح بتحويل الالتزامات المعلنة إلى أولويات للعمل الحكومي.

وكشف بنعبدالله أن النسخة الأولى المطولة من مشروع التصريح الحكومي، التي قال إن حجمها بلغ نحو 130 صفحة، وضعت الديمقراطية في المرتبة الأولى ومحاربة الفساد في المرتبة الثانية. و

يكتسب هذا المعطى دلالته من كونه يقدم، بحسب روايته، مؤشرا على حضور المطالب التي دافع عنها الحزب خلال المفاوضات، وإن كان ترتيب الأولويات في الوثيقة لا يكفي وحده للحكم على مدى تنفيذها لاحقا.

فالاختبار الحقيقي لهذه الالتزامات سيظل مرتبطا بما ستسفر عنه الممارسة الحكومية، ومدى ترجمة المبادئ الواردة في التصريح إلى إجراءات واضحة في مجال الوقاية من الفساد، والحد من تضارب المصالح، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وصيانة الحقوق والحريات.

ومن ثم، فإن تصريحات نبيل بنعبدالله في برنامج «نقطة إلى السطر» لا تقتصر على تفسير التقارب مع الأصالة والمعاصرة، بل تطرح أيضا سؤال العلاقة بين المشاركة في السلطة والقدرة على التأثير في اختيارات الحكومة.

وبين المبررات التي يقدمها الحزب لقراره والنتائج التي ينتظرها المواطنون، ستتحدد قيمة هذه المشاركة بمدى الوفاء للالتزامات السياسية والبرنامجية التي قال إنها شكلت شرطا أساسيا لدخول الأغلبية.