دخل المغرب، منذ إعلان النتائج النهائية للانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، مرحلة سياسية جديدة لا تختزل في معرفة الحزب الذي تصدر صناديق الاقتراع، وإنما تمتد إلى السؤال الأصعب: أي أغلبية ستقود المرحلة المقبلة، وبأي برنامج، وكيف ستتعامل مع انتظارات مجتمع يطالب بأن تتحول السياسة من مجرد تدبير للمؤسسات إلى أثر ملموس في الحياة اليومية؟
فبعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً والاستقلال بـ65 مقعداً، جاء التعيين الملكي ليضع المسار الدستوري في حلقته التالية. فقد عين الملك محمد السادس، يوم 29 شتنبر 2026، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، وذلك بمقتضى الفصل 47 من الدستور.
ومنذ ذلك التاريخ، انتقلت الخريطة السياسية من مرحلة قراءة نتائج الاقتراع إلى مرحلة جديدة عنوانها المشاورات حول تشكيل الأغلبية، وهي مرحلة لا يتعلق فيها الأمر بمجرد جمع عدد من المقاعد للوصول إلى عتبة الأغلبية، وإنما أيضاً ببناء تفاهم سياسي قادر على إنتاج برنامج حكومي مشترك، وتحديد أولويات المرحلة المقبلة.
غير أن الرقم الذي لا يمكن أن يغيب عن قراءة هذه المرحلة ليس فقط الـ97 مقعداً التي حصل عليها الحزب المتصدر، وإنما أيضاً نسبة المشاركة الوطنية التي توقفت عند 38.02%. وهذا الرقم لا يمكن تحويله إلى حكم انتخابي على هذا الحزب أو ذاك، ولا يعني أن غير المصوتين اتخذوا موقفاً موحداً من نتائج الاقتراع، لكنه يضع الحكومة المقبلة أمام سياق سياسي ينبغي أن يحضر في حساباتها، عنوانه الحاجة إلى تعزيز الثقة من خلال الأداء والإنصات والقدرة على الاستجابة للمشكلات التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وهنا تبدأ صعوبة مهمة المنصوري. رئيسة الحكومة، فالأغلبية المطلقة المطلوبة داخل مجلس النواب هي 198 مقعداً، بينما لا يملك «البام» سوى 97 مقعداً، ما يجعل بناء ائتلاف حكومي أمراً ضرورياً. ولذلك فإن المشاورات لا تتعلق فقط بمن سيدخل الحكومة، وإنما أيضاً بكيفية توزيع المسؤوليات، وصياغة برنامج مشترك، وضمان الانسجام داخل أغلبية تستطيع التعامل مع الملفات الاجتماعية والاقتصادية المنتظرة.
وتسمح الخريطة الانتخابية الحالية بقراءة ثلاثة سيناريوهات سياسية واضحة، من دون أن يعني ذلك أن المشاورات محسومة سلفاً لصالح أحدها.
السيناريو الأول: البام والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية
هذه الصيغة ستجمع 236 مقعداً، أي أغلبية مريحة عددياً. وهي تركيبة توسع دائرة المشاركة السياسية داخل الحكومة، وتجمع أحزاباً تختلف في مرجعياتها وتجاربها، ما يجعل التحدي الأساسي فيها هو تحويل هذا التنوع إلى برنامج حكومي موحد.
ومن الناحية الحسابية، توفر هذه الصيغة هامشاً مريحاً فوق عتبة الأغلبية، لكنها في المقابل ترفع الحاجة إلى تنسيق سياسي مستمر بين خمسة مكونات. ومن ثم فإن النقاش لن يتوقف عند عدد المقاعد، بل سيشمل مدى قدرة هذه الأحزاب على الاتفاق حول الأولويات الكبرى: التشغيل، والقدرة الشرائية، والتعليم والصحة، والحماية الاجتماعية، والاستثمار، إلى جانب مواصلة الأوراش الوطنية الكبرى.
السيناريو الثاني: البام والأحرار والاستقلال
تجمع هذه الصيغة 228 مقعداً، وهي تعيد تركيب المكونات الثلاثة التي شكلت الحكومة السابقة، لكن في ترتيب انتخابي جديد يتصدر فيه «البام» المشهد البرلماني.
وهنا تحديداً لا يمكن التعامل مع السيناريو باعتباره مجرد عملية جمع للأرقام، لأن دخوله حيز التنفيذ سيضع مكونات هذه الأغلبية أمام حصيلة المرحلة السابقة وانتظارات المرحلة الجديدة في الوقت نفسه.
فالمواطن الذي يواجه ضغوطاً مرتبطة بكلفة المعيشة، ويسأل عن فرص الشغل وجودة الخدمات العمومية وفعالية برامج الحماية الاجتماعية، لن يتعامل مع الحكومة المقبلة فقط من زاوية أسماء الأحزاب المشاركة فيها، بل من زاوية ما ستقترحه عليه من حلول وما سيلمس أثره في حياته اليومية.
وبالتالي، فإن أي صيغة تقوم على استمرار مكونات من الحكومة السابقة ستواجه بالضرورة سؤالاً حول كيفية الانتقال من مرحلة إلى أخرى: ما الذي سيستمر؟ وما الذي سيتغير؟ وما الذي ستتم مراجعته؟ وهذه الأسئلة قد تكون أكثر أهمية من مجرد هوية الحزب الذي سيتولى هذه الحقيبة أو تلك.
السيناريو الثالث: البام والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية
هذه الصيغة تصل إلى 207 مقاعد، أي بفارق تسعة مقاعد فقط عن عتبة الأغلبية المطلقة. وهي تضم مكونات ذات امتداد تاريخي داخل ما كان يعرف بالكتلة الديمقراطية، من دون أن يعني ذلك أن الكتلة التاريخية عادت اليوم بصيغتها التنظيمية السابقة.
سياسياً، تعطي هذه التركيبة للأغلبية طابعاً مختلفاً، بالنظر إلى الخلفيات السياسية المتنوعة للأحزاب الأربعة. لكن الحساب البرلماني هنا يفرض درجة عالية من الانضباط والتنسيق، لأن هامش المقاعد فوق عتبة الأغلبية يظل محدوداً مقارنة بالسيناريوهين الآخرين.
وفي جميع الحالات، تظل هذه السيناريوهات خرائط تفاوضية وليست نتائج مسبقة. فالمشاورات هي التي ستحدد في النهاية أي صيغة ستتحول إلى أغلبية فعلية، وما إذا كانت التركيبة النهائية ستطابق أحد هذه التصورات أو ستنتج صيغة أخرى.
لكن الأهم من هندسة الأغلبية نفسها هو ما الذي سيجمع هذه الأغلبية حوله. فالانتخابات أفرزت برلماناً متعدد المكونات، لكنها أفرزت في الوقت نفسه نسبة مشاركة بلغت 38.02%. وهذا يعني أن التحدي الحكومي لا يبدأ وينتهي داخل قبة البرلمان، بل يمتد إلى العلاقة مع المواطن الذي ينتظر نتائج ملموسة في التشغيل والدخل والخدمات العمومية والتعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية.
كما أن البعد الاجتماعي لن يكون هامشياً في المرحلة المقبلة. فإلى جانب الأحزاب والبرلمان، توجد النقابات الكبرى، وفي مقدمتها الاتحاد المغربي للشغل، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد العام للشغالين بالمغرب، والفيدرالية الديمقراطية للشغل، باعتبارها أطرافاً أساسية في الحوار الاجتماعي. وهذه التنظيمات ليست جزءاً من الحساب البرلماني للأغلبية، لكنها ستكون حاضرة بحكم الملفات المرتبطة بالأجور والتشغيل والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية وحقوق الشغيلة.
كما أن وجود علاقات تاريخية أو سياسية بين بعض الأحزاب ومكونات من الحركة النقابية لا يعني وجود موقف نقابي موحد من الحكومة المقبلة، إذ تحتفظ كل نقابة باستقلاليتها ومطالبها وموقعها في الحوار الاجتماعي. ومن ثم، فإن حضور النقابات في هذا التحليل لا يتعلق بإضافة مقاعد إلى الأغلبية، وإنما بمدى قدرة الحكومة المقبلة على بناء توافقات اجتماعية حول الإصلاحات التي ستطرحها.
وهنا تنتقل معادلة تشكيل الحكومة من سؤال «كم مقعداً؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: «أي برنامج، وبأي توافقات يمكن تنفيذه؟» فالأغلبية البرلمانية تمنح الحكومة قاعدة سياسية داخل مجلس النواب، لكنها لا تعفيها من إدارة الحوار مع النقابات وأرباب العمل وباقي الشركاء الاجتماعيين.
وتكتسب هذه الملفات أهمية أكبر لأن الحكومة الجديدة لن تبدأ من فراغ. فهي ترث أوراشاً وبرامج والتزامات، وفي الوقت نفسه ترث أسئلة اجتماعية واقتصادية تحتاج إلى إجابات أكثر وضوحاً، خصوصاً في ما يتعلق بمدى انعكاس النمو والاستثمارات والمشاريع الكبرى على الحياة اليومية للمواطن.
ويأتي في مقدمة هذه الأوراش الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، الذي تحول إلى ورش وطني متعدد الأبعاد، يرتبط بتطوير البنيات التحتية والنقل والخدمات والمرافق والاستثمار، وبإحداث أثر تنموي يتجاوز المدن التي ستحتضن المباريات. وقد تم إحداث «مؤسسة المغرب 2030» لتنسيق وتتبع مختلف الأوراش المرتبطة بالاستعدادات، بما يعكس حجم الرهان المؤسساتي والتنفيذي لهذا الاستحقاق.
ومن هنا، فإن المهمة الأولى لرئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، ليست فقط جمع 198 مقعداً أو أكثر، وإنما بناء أغلبية قادرة على الاتفاق على أجندة حكومية قابلة للتنفيذ والقياس، تجمع بين الاستجابة للانتظارات الاجتماعية اليومية وبين مواصلة الأوراش الاستراتيجية الكبرى. وسيكون مونديال 2030 أحد أبرز الاختبارات في هذا المجال، لأنه يفرض التوفيق بين تسريع الاستثمار وتجهيز البلاد من جهة، وضمان أن تتحول هذه الدينامية إلى فرص للشغل وتحسين للخدمات وتقليص للفوارق المجالية من جهة أخرى.
وفي نهاية المطاف، لن تكون قيمة الحكومة المقبلة في عدد المقاعد التي ستجمعها حول طاولة الأغلبية، ولا في عدد الأحزاب التي ستوقع على برنامجها، وإنما في قدرتها على تحويل هذه الأغلبية إلى قرار حكومي واضح، وإلى نتائج يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
فالانتخابات حسمت ترتيب القوى داخل البرلمان، والفصل 47 حسم اسم رئيسة الحكومة، أما المشاورات فستحسم هندسة الأغلبية. لكن ما لم يُحسم بعد هو السؤال الأهم: كيف ستستعيد الحكومة ثقة المواطن وتثبت أن السياسة قادرة على إنتاج حلول ملموسة؟
نسبة المشاركة البالغة 38.02% تجعل هذا السؤال أكثر إلحاحاً، لا باعتبارها حكماً على طرف سياسي بعينه، وإنما باعتبارها معطى ينبغي أن يحضر في قراءة المرحلة المقبلة. فالحكومة التي ستخرج من هذه المشاورات ستجد نفسها أمام مجتمع ينتظر أجوبة عملية حول القدرة الشرائية، وفرص الشغل، وجودة التعليم والصحة، والحماية الاجتماعية، والعدالة المجالية، ومدى استفادة المواطنين من دينامية الاستثمار والمشاريع الكبرى.
وهنا تحديداً ستنتقل المعركة من هندسة الأغلبية إلى اختبار الأداء. فالمقاعد تمنح الحكومة القدرة على العمل داخل البرلمان، لكن الإنجاز وحده هو الذي يمنحها القدرة على بناء الثقة خارج البرلمان.
وبين أغلبية من 207 مقاعد، وأخرى من 228، وثالثة تصل إلى 236، يبقى الرقم الذي لا يمكن اختزاله في حسابات التحالفات هو المواطن نفسه؛ فهو الذي سينتظر من الحكومة المقبلة ليس فقط أن تتشكل، بل أن تُقنع، وأن تنجز، وأن تجعل من المرحلة الجديدة بداية لعلاقة أكثر وضوحاً بين القرار السياسي وانتظارات المجتمع.



