حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

أعادت نتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز ترتيب الأحزاب وعدد المقاعد: كيف حافظت الدوائر ذات الطابع القروي على وزن مهم في تشكيل مجلس النواب، في وقت يواصل فيه المغرب مساره نحو التمدن؟

النتائج النهائية منحت حزب الأصالة والمعاصرة 97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار 66، وحزب الاستقلال 65، فيما حصل العدالة والتنمية على 54 مقعداً، من أصل 395 مقعداً. لكن قراءة هذه النتائج من زاوية جغرافية تكشف تفاوتاً لافتاً بين الأحزاب.

فوفق تصنيف مجالي متداول للدوائر، حصل الأصالة والمعاصرة على 63 مقعداً في دوائر ذات طابع قروي مقابل 34 حضرية، بينما حصد التجمع الوطني للأحرار 40 مقعداً قروياً مقابل 26 حضرياً، والاستقلال 36 مقابل 29. وفي المقابل، جاءت 43 من مقاعد العدالة والتنمية الـ54 من الدوائر الحضرية، مقابل 11 من الدوائر ذات الطابع القروي.

وبذلك، حصدت الأحزاب الثلاثة الأولى، وفق هذا التصنيف، 139 مقعداً من الدوائر القروية مقابل 89 من الدوائر الحضرية. غير أن هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة حذرة، إذ إن وزارة الداخلية لم تنشر تصنيفاً رسمياً للمقاعد وفق ثنائية «قروي/حضري»، كما أن بعض الدوائر تجمع مراكز حضرية وجماعات قروية. وبالتالي، فإن وصف دائرة بأنها قروية لا يعني أن جميع الأصوات التي أنتجت المقعد جاءت من القرى.

مع ذلك، يصعب تجاهل الدلالة السياسية لهذا التوزيع. فالمعطيات تظهر اختلافاً واضحاً في قدرة الأحزاب على بناء قواعد انتخابية داخل المجالات المختلفة. ويبدو أن العامل المحلي يظل حاضراً بقوة، خصوصاً في الدوائر القروية، حيث لا يرتبط اختيار الناخب بالحزب وبرنامجه الوطني فقط، وإنما أيضاً بشخصية المرشح، وحضوره الميداني، وشبكة علاقاته، وقدرته على التواصل والترافع عن قضايا المنطقة.

وفي العالم القروي، ترتبط هذه القضايا غالباً بملفات ملموسة: الطرق والمسالك، الماء، الصحة، النقل المدرسي، الخدمات الإدارية، الفلاحة وفرص الشغل. لذلك قد يصبح حضور المرشح وقدرته على التعبئة أكثر تأثيراً من الخطاب السياسي العام، من دون أن يعني ذلك أن العامل المحلي يحسم الانتخابات في جميع الدوائر.

في المدن، تبدو طبيعة المنافسة مختلفة نسبياً، إذ تتداخل اختيارات الناخبين مع قضايا التشغيل والقدرة الشرائية والسكن والنقل وجودة الخدمات العمومية وتدبير المدن. كما تظل المشاركة الانتخابية عاملاً أساسياً في قراءة الخريطة الجديدة، بعدما بلغت النسبة الوطنية في اقتراع 2026 نحو 38.02 في المائة.

وتزداد أهمية المفارقة عند وضع النتائج في سياق التحولات الديمغرافية للمغرب. فمعطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 تشير إلى أن سكان الوسط الحضري يمثلون 62.8 في المائة من مجموع السكان، مقابل 37.2 في المائة في الوسط القروي. ومع ذلك، يظهر التصنيف المتداول لنتائج 2026 حضوراً قوياً للدوائر ذات الطابع القروي في عدد كبير من المقاعد البرلمانية.

غير أن هذه المفارقة لا تعني تلقائياً وجود خلل في التمثيل الانتخابي، ولا تعني أن البادية صوتت كتلة واحدة. فالنتائج تكشف بدورها عن تنافس قوي داخل المجال القروي بين أحزاب متعددة، كما أن المدن لم تتجه في اتجاه سياسي واحد.

ويقدم العدالة والتنمية نموذجاً مختلفاً في هذا السياق. فقد انتقل من 13 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 54 مقعداً في 2026، وجاءت الغالبية الساحقة من مقاعده من الدوائر الحضرية. لكن تفسير هذا الصعود يحتاج إلى معطيات تتجاوز توزيع المقاعد، من قبيل عدد الأصوات الصحيحة، ونسب المشاركة، وحجم المسجلين، ونتائج الحزب في كل دائرة، وهي عناصر لا يوفرها عدد المقاعد وحده.

لذلك، فإن السؤال الأدق ليس لماذا «صوتت البادية» لصالح أحزاب معينة، وإنما لماذا تمكنت بعض الأحزاب والمرشحين من تحويل حضورهم الانتخابي داخل دوائر معينة إلى عدد أكبر من المقاعد؟ هنا تتقاطع عوامل عدة، من التقطيع الانتخابي وقواعد احتساب النتائج، إلى التنظيم الحزبي المحلي، وشخصية المرشح، ونسب المشاركة، وطبيعة المطالب الاجتماعية والاقتصادية.

وتكشف انتخابات 2026، بهذا المعنى، أن الجغرافيا لا تزال عاملاً أساسياً في فهم السياسة الانتخابية المغربية. فالمدينة والبادية ليستا كتلتين سياسيتين متجانستين، بل مجالان تتفاعل داخلهما اعتبارات وطنية ومحلية واجتماعية واقتصادية مختلفة.

ومن ثم، فإن الوزن الذي أظهرته الدوائر القروية في الخريطة البرلمانية الجديدة لا يمكن اختزاله في نفوذ «الأعيان»، كما لا يمكن تفسيره بالبرامج الحزبية وحدها. إنه نتاج تفاعل بين النظام الانتخابي، والتقطيع المجالي، ونسب المشاركة، وقوة التنظيمات المحلية، وشخصية المرشحين، والانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للناخبين.

والخلاصة أن انتخابات 23 شتنبر 2026 أعادت التأكيد على أن البرلمان المغربي لا تصنعه المدن وحدها ولا البادية وحدها، وإنما تصنعه العلاقة المعقدة بين الحزب والمرشح والناخب والمجال. ومن دون تحليل تفصيلي للأصوات ونسب المشاركة على مستوى الدوائر ومكاتب التصويت، ستظل بعض القراءات المتعلقة بـ«صوت البادية» و«صوت المدينة» فرضيات تحليلية، بينما تظل الحقيقة الأوضح أن الجغرافيا الانتخابية أصبحت مفتاحاً أساسياً لفهم الخريطة البرلمانية الجديدة.