حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

أعادت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، خلال عرض البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان يوم الاثنين 19 أكتوبر الجاري، ملف تجريم الإثراء غير المشروع إلى النقاش السياسي والتشريعي، معلنة التزام الحكومة بمعاقبة تضارب المصالح وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، إلى جانب تشديد الرقابة على الصفقات العمومية ومحاربة الممارسات الاحتكارية.

وتجمع هذه التعهدات بين تخليق الحياة العامة وإصلاح قواعد المنافسة، في توجه يضع النزاهة في تدبير الشأن العام ضمن شروط حماية المال العام واستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات.

وأكدت المنصوري أن استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة يقتضي تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح طبقا للفصل 36 من الدستور، فضلا عن تجريم إفشاء المعلومات بهدف الحصول على امتيازات.

واعتبرت أن محاربة الفساد وتضارب المصالح تمثل مدخلا أساسيا لاستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات، مستحضرة تجربتها السياسية بقولها أمام البرلمانيين: «كونوا على يقين بأن نضالي طوال 18 سنة كان مبنيا على هذه الأشياء».

وتعيد هذه الالتزامات إلى الواجهة مشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، الذي ظل لسنوات موضوع خلافات سياسية وتشريعية، خصوصا بشأن المقتضيات المتعلقة بتجريم الإثراء غير المشروع. وكانت حكومة عبد الإله بنكيران قد أحالت المشروع على البرلمان في 24 يونيو 2016، قبل أن يتوصل مكتب مجلس النواب، في 8 نونبر 2021، بطلب من الحكومة السابقة لسحبه.

وأثار قرار السحب آنذاك نقاشا سياسيا وحقوقيا بشأن مآل المقتضيات المرتبطة بالإثراء غير المشروع. وفي حين ربطت الحكومة السابقة قرارها بصعوبة مراجعة القانون الجنائي بصورة مجزأة والحاجة إلى مقاربة شمولية، انتقدت أصوات سياسية وحقوقية التخلي عن المقتضيات التي كانت تستهدف هذه الممارسة.

ويضع التعهد الحكومي الجديد هذا الملف أمام استحقاق إعادة صياغة الالتزامات في تدابير تشريعية واضحة، مع تحديد آليات تطبيقها وضمانات المراقبة والمحاسبة.

ولا يقتصر التوجه المعلن على التصريح بالممتلكات أو تجريم الإثراء غير المشروع، بل يمتد إلى طريقة تدبير الصفقات العمومية وحماية المنافسة. فقد تعهدت رئيسة الحكومة بإطلاق إصلاح هيكلي لتنظيم الأسواق ومحاربة الاحتكار والوساطة الانتهازية، بالتنسيق مع مجلس المنافسة، مع إحداث آليات لفحص الصفقات العمومية والتحقيق في حالات التواطؤ في طلبات العروض.

ويعكس الجمع بين هذه الإجراءات توجها نحو معالجة الاختلالات التي قد تمس نزاهة المنافسة، سواء تعلق الأمر باستغلال المعلومات للحصول على امتيازات أو بتضارب المصالح أو بالممارسات التي تؤثر في إسناد الصفقات وتدبير المال العام.

كما أن تعزيز الرقابة على هذه المجالات يرتبط بمدى قدرة المؤسسات المعنية على رصد المخالفات والتحقيق فيها وترتيب الجزاءات القانونية اللازمة.

ويشكل الفصل 36 من الدستور مرجعا أساسيا في هذا السياق، إذ ينص على معاقبة المخالفات المرتبطة بتنازع المصالح واستغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه، كما يدعو إلى الوقاية من الانحرافات المرتبطة باستعمال الأموال العمومية وإبرام الصفقات وتدبيرها، ويؤكد معاقبة الممارسات الاحتكارية المخالفة للمنافسة الحرة والمشروعة.

وتتمثل الخطوة المنتظرة في انتقال هذه التعهدات من مستوى الإعلان السياسي إلى إجراءات تشريعية ومؤسساتية قابلة للتنفيذ والتقييم. فاستكمال المنظومة الوطنية للنزاهة لا يرتبط فقط بإقرار قواعد قانونية جديدة، بل كذلك بفعالية المراقبة، ووضوح المسؤوليات، وتكافؤ تطبيق القانون، وقدرة المؤسسات على التعامل مع المخالفات دون انتقائية.

وبذلك، يضع البرنامج الحكومي محاربة الفساد والاحتكار ضمن مسار واحد يربط الشفافية بحماية المنافسة والمال العام. غير أن الأثر العملي لهذه الالتزامات سيظل مرتبطا بمآل الإصلاحات المعلن عنها، ولا سيما كيفية معالجة ملف مشروع القانون رقم 10.16، وضمان انسجام القواعد الجديدة مع المقتضيات الدستورية، وتحويل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى ممارسة ملموسة في تدبير الشأن العام.