يؤكد عدد من الفاعلين في قطاع التعليم أن العمل النقابي بات، في كثير من الحالات، يقتصر على استثمار المناسبات الاجتماعية والمهنية لتبني مطالب فئوية، عبر تنظيم أشكال احتجاجية لا تمتلك دائماً التأثير الكافي على دوائر القرار.
وفي تصريحاتهم لموقع “جهات”، يرى العديد من نساء ورجال التعليم، أن قوة التأثير النقابي تراجعت مقارنة بفترات سابقة، خصوصاً خلال السبعينات، حين كان مجرد التلويح بالإضراب كفيلاً بإحداث ضغط قوي على السلطات. اليوم، حسب تعبيرهم، أصبحت الإضرابات والوقفات الاحتجاجية جزءاً من الروتين النقابي دون أثر حاسم على مخرجات القرار.
من جهته، يعتبر بنمسعود، أن العمل النقابي يعيش حالة انكماش واضحة، في ظل عزوف متزايد لنساء ورجال التعليم عن الانخراط فيه، بسبب ضعف الثقة في بعض الأطر النقابية، التي يطغى عليها، حسب رأيه، منطق المصالح الشخصية على حساب خدمة الشغيلة، إضافة إلى غياب التكوين والتأهيل المستمر.
وفي المقابل، يؤكد مسؤول نقابي أن النقابة تظل إطاراً دستورياً أساسياً للدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية لرجال التعليم، غير أن الإشكال يتمثل في ضعف الثقافة النقابية لدى بعض الفئات التعليمية التي تميل إلى الابتعاد عن المواجهة والانخراط في العمل الجماعي.
أما مصطفى، فيشير إلى أن جزءاً من الإشكال يرتبط بطريقة تدبير الملفات المطلبية، حيث تعجز النقابات عن تحقيق توازن بين مختلف الفئات، ما يخلق شعوراً متزايداً بالحيف والإقصاء داخل الجسم التعليمي.
وترى عائشة أن بروز التنسيقيات واللجان الموازية يعكس أزمة ثقة في العمل النقابي التقليدي، نتيجة محدودية الاستجابة للمطالب، ما دفع فئات واسعة إلى البحث عن أشكال تنظيمية بديلة للدفاع عن حقوقها بشكل مباشر.
في السياق نفسه، يعتبر إسماعيل أن الحل لا يكمن في القطيعة مع العمل النقابي، بل في إصلاحه من الداخل عبر تعزيز الضغط والتأطير، بما يضمن فعالية أكبر في معالجة الملفات المطلبية.
أما المختار، فيدعو إلى إعادة النظر في بنية العمل النقابي، محذراً من تأثير التداخلات الحزبية والمصالح الضيقة، إضافة إلى ما وصفه بانعكاسات “التفرغ النقابي”، الذي ساهم، حسب رأيه، في تشويه صورة العمل النقابي وإضعاف مردوديته.
من جانب آخر، يعتبر عدد من رجال ونساء التعليم، ممن استقت “جهات” تصريحاتهم، أن الإضرابات فقدت جزءاً كبيراً من فعاليتها، وأصبحت في بعض الحالات تعكس حالة من الجمود أكثر من كونها أدوات ضغط حقيقية، في ظل تراجع الثقة في الوسائط النقابية التقليدية.
وفي المقابل، تتصاعد داخل القطاع أصوات تدعو إلى تبني بدائل تنظيمية بديلة، بعد ما فشلت التنظيمات الحالية في تمثيل الملفات المطلبية بالشكل المطلوب، ما دفعها إلى التكتل في تنسيقيات موازية للدفاع عن مطالبها بشكل مباشر.
أمام هذا التعدد في القراءات وتباين المواقف، يظل مستقبل العمل النقابي في قطاع التعليم مفتوحاً على أكثر من سيناريو، بين إصلاح من الداخل أو إعادة هيكلة شاملة للإطار التنظيمي.
فهل يتجه المغرب نحو تصور قانوني جديد يؤطر العمل النقابي بشكل أكثر صرامة ووضوحاً، على غرار ما هو معمول به في قطاعات أخرى؟ أم أن استمرار الوضع الحالي سيكرس مزيداً من التشتت ويعمّق أزمة الثقة داخل الجسم التعليمي، ويفتح الباب أمام أشكال احتجاجية خارج الأطر التقليدية؟ أسئلة تبقى مطروحة بإلحاح في انتظار إجابات قادرة على إعادة التوازن والفاعلية للفعل النقابي.



