من «ارجمونا بالحجر» إلى التسريبات.. السياسة المغربية حين تصبح فرجة
كان أحدهم قد قال في بداية الحملة الانتخابية السابقة، في لحظة حماس سياسي مرتفعة السقف، ما معناه: إذا لم نف بوعودنا فارجمونا بالحجر. عبارة قوية تصلح لعناوين الصحف، وربما تصلح أكثر لأرشيف يحتفظ بتصريحات السياسيين حتى لا تضيع الذاكرة بين انتخابات وأخرى. مرت السنوات، ولم نر أحدا يحمل حجرا، وهذا أفضل بالتأكيد، لكننا رأينا أشياء أخرى أثقل من الحجر على صورة السياسة نفسها.
اليوم لم يعد المواطن في حاجة إلى انتظار مهرجان خطابي حتى يسمع ما يقوله السياسيون. أحيانا يكفي أن يفتح هاتفه صباحا ليجد تسجيلا مسربا من اجتماع حزبي خاص، ثم تبدأ الحلقة الجديدة: من سجل؟ من سرب؟ لماذا سرب؟ هل التسجيل كامل أم مجتزأ؟ ومن كان المقصود بالكلام؟ بينما السؤال الذي يهم المواطن أكثر يضيع وسط الضجيج: ماذا تفعل الأحزاب أصلا بقضايا الناس؟
لقد انتقلنا بطريقة عجيبة من زمن الوعود الكبيرة إلى زمن التسجيلات الصغيرة. كان السياسي يصعد إلى المنصة ليشرح برنامجه، فأصبح جزء من النقاش السياسي يدور حول ما قيل خلف الأبواب المغلقة. وكان التنافس يفترض أن يكون حول التعليم والصحة والشغل والاستثمار والماء والنقل، فإذا بنا نتابع سجالات حول الاستقطاب والتزكيات والمرشحين ومن حاول أخذ هذا المنتخب أو ذاك.
والأكثر إثارة أن تسريبا من اجتماع حزبي خاص يمكن أن يتحول في ساعات إلى قضية وطنية، خصوصا عندما يتضمن كلاما منسوبا إلى مسؤولين أو وزراء أو شخصيات حزبية وازنة. وهنا يجب التمييز بين ما ثبت فعلا وما يتم تفسيره سياسيا؛ فالتسجيل المسرب، مهما كان مثيرا، لا ينبغي أن يتحول وحده إلى محكمة تصدر الأحكام قبل التحقق من سياقه واكتماله وصحة ما ينسب إلى المتحدثين.
لكن المشكلة أعمق من تسجيل واحد. عندما يصبح جزء معتبر من الحياة الحزبية مادة للتسريبات والردود والردود المضادة، فإن الخاسر الحقيقي ليس الحزب «أ» أو الحزب «ب»، بل ثقة المواطن في العمل السياسي برمته.
المغاربة لا ينتظرون من الأحزاب أن تقدم لهم موسما جديدا من مسلسل «من قال ماذا داخل الاجتماع؟». المواطن الذي ينتظر موعدا في مستشفى، والشاب الباحث عن فرصة عمل، والأسرة التي تحسب مصاريفها قبل نهاية الشهر، والمقاول الذي يصارع الإجراءات، لا تعنيه كثيرا كواليس توزيع المواقع بقدر ما تعنيه نتائج السياسات العمومية.
وهنا تصبح الكوميديا السياسية مرة بعض الشيء. بالأمس قيل للمواطن: حاسبونا على الوعود. واليوم يكاد المواطن يحتاج إلى سماعات جيدة حتى يستطيع متابعة التسجيلات المسربة وفهم خريطة الخصومات والتحالفات. وبين الحجر والهاتف الذكي، تطورت التكنولوجيا أسرع بكثير مما تطورت بعض الممارسات السياسية.
ولا أحد يطالب بأن تكون الاجتماعات الحزبية مجالس للملائكة. السياسة بطبيعتها خلاف وتنافس وتفاوض وطموح إلى السلطة. لكن هناك فارقا كبيرا بين التنافس السياسي المشروع وبين تحول الحياة الحزبية إلى صراع دائم حول الأشخاص والمقاعد والتزكيات، بينما تتراجع البرامج والأفكار إلى الصفوف الخلفية.
أما الوزراء، فالمسؤولية تصبح أكبر. الوزير ليس مجرد قيادي حزبي عندما يتعلق الأمر بممارسة السلطة الحكومية، بل مسؤول عمومي يفترض أن تظل قراراته ومواقفه منسجمة مع القانون ومقتضيات المسؤولية المؤسساتية. لذلك فإن أي ادعاء بوجود تهديد أو ضغط أو استعمال للصفة الحكومية يحتاج إلى وقائع مثبتة وتحقيق جدي، لا إلى محاكمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن هنا يبرز السؤال المشروع: من يوقف هذا العبث؟ الجواب ليس شخصا واحدا ولا مؤسسة واحدة. توقفه الأحزاب عندما تحترم قواعدها، وتوقفه المؤسسات عندما تطبق القانون، وتوقفه الصحافة عندما تتحقق قبل النشر، ويوقفه المواطن عندما يحاسب بالصوت الانتخابي على النتائج بدل الانبهار بالشعارات.
أما الحجر، فلنبقه في مكانه. المغرب ليس في حاجة إلى رجم أحد، بل إلى ذاكرة سياسية قوية ومحاسبة ديمقراطية هادئة. ففي الانتخابات المقبلة قد يكون أقسى شيء على سياسي لم يف بوعوده ليس حجرا يرمى عليه، وإنما ورقة تصويت لا تحمل اسمه.



