حجم الخط + -
6 دقائق للقراءة

لم يعد ملف ترقية نساء ورجال التعليم، الممارسين والمتقاعدين، إلى الدرجة الممتازة مجرد مطلب مهني عالق، بل أصبح يطرح أسئلة أوسع بشأن المساواة في الاستفادة من الحقوق، ومدى التزام الإدارة بتنفيذ الاتفاقات الموقعة، ومسؤولية الحكومة عن تسوية الملفات التي طال أمدها.

فبعد مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على اتفاق 26 أبريل 2011، لا تزال فئات من أسرة التعليم تطالب باستكمال ما تعتبره حقاً في الترقية إلى خارج السلم، بأثر رجعي إداري ومادي، وفق الشروط والتواريخ التي يستند إليها مطلبها النقابي.

وتزداد أهمية هذا الملف في ضوء دستور 2011، الذي كرس المساواة أمام القانون والخضوع له باعتبارهما من المبادئ الأساسية المؤطرة لعمل الدولة ومؤسساتها.

فالفصل السادس من الدستور ينص صراحة على أن الجميع، بمن فيهم السلطات العمومية، متساوون أمام القانون وملزمون بالامتثال له، فيما يؤكد الفصل 154 ضرورة تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة في الولوج إليها، وإخضاعها لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية.

أما الفصل 155، فيلزم أعوان المرافق العمومية باحترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار المطالب المرتبطة بتنفيذ اتفاق 26 أبريل 2011 يطرح تساؤلات مشروعة حول سبل ضمان الإنصاف بين الفئات المهنية، ومدى استكمال الالتزامات المتصلة بهذا الملف، في إطار احترام القانون والحوار الاجتماعي.

ومن هنا يبرز سؤال جوهري: إذا كانت الحكومة تؤكد أهمية دستور 2011 وما يحمله من مبادئ المساواة والإنصاف وربط المسؤولية بالمحاسبة، فما الذي يفسر استمرار هذا الملف داخل قطاع التربية الوطنية، في الوقت الذي تشير فيه معطيات برلمانية إلى استفادة موظفين في قطاعات العدل والمالية والصحة من مقتضيات الاتفاق؟

وهل يرتبط اختلاف المعالجة بتباين النصوص التنظيمية وشروط الاستفادة، أم أن هناك التزامات ما زالت تنتظر الاستكمال؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي توضيحاً رسمياً يستند إلى النصوص والقرارات المعمول بها، ويشرح أسباب اختلاف المعالجة بين القطاعات، إن ثبت هذا الاختلاف.

وقد عاد الموضوع إلى الواجهة من خلال سؤال كتابي سبق أن وجهته النائبة البرلمانية خديجة أروهال، عن فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، مطالبة بإدراج مناقشة ما تبقى من اتفاق 26 أبريل 2011 لفائدة موظفي التربية الوطنية ضمن جدول أعمال اللجنة الوطنية العليا للحوار الاجتماعي.

وأشارت النائبة أروهال إلى أن صدور النظام الأساسي الخاص بموظفي قطاع التربية الوطنية في بداية سنة 2024 لم ينهِ جميع المطالب المرتبطة بالاتفاق، إذ لا تزال فئات من الممارسين والمتقاعدين تعبر عن استيائها من عدم استفادتها من بعض المقتضيات التي تعتبرها مستحقة.

وشدد السؤال على ضرورة البحث عن الصيغ الملائمة لتمكين المستوفين للشروط النظامية من الترقية إلى الدرجة الممتازة، وتسوية الوضعيات الإدارية العالقة، مع الاستناد إلى الشروط التي أشار إليها السؤال، ومنها المنشور رقم 2011/9.

كما دعت إلى إشراك وزارتي التربية الوطنية والمالية في تفعيل ما تبقى من مقتضيات الاتفاق، معتبرة أن اللجنة الوطنية العليا للحوار الاجتماعي تشكل إطاراً لتتبع تنفيذ الالتزامات الاجتماعية والبحث عن حلول للملفات العالقة.

ويتعزز النقاش البرلماني حول هذا الملف بالسؤال الذي سبق أن أثاره عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، بشأن عدم استفادة موظفي ومتقاعدي قطاع التربية الوطنية من مقتضيات اتفاق 26 أبريل 2011، في مقابل استفادة موظفين بقطاعات أخرى، من بينها العدل والمالية والصحة، بحسب ما أورده السؤال البرلماني.

وتكتسي هذه الإشارة أهمية خاصة، لأنها تنقل النقاش من مجرد المطالبة باستكمال اتفاق اجتماعي إلى مساءلة الحكومة عن أسباب تفاوت الاستفادة بين القطاعات، وعن الأسس القانونية والإدارية التي حكمت تنزيل مقتضيات الاتفاق في كل قطاع.

وتستدعي هذه المقارنة توضيحاً رسمياً يحدد طبيعة المقتضيات التي جرى تنفيذها في القطاعات المذكورة، ومدى انطباقها على الوضعيات المهنية لموظفي التعليم، وأسباب عدم تسوية الملفات التي لا تزال عالقة.

فالمطلوب ليس افتراض التطابق بين جميع الفئات أو شروط استفادتها، وإنما الكشف عن المعايير المعتمدة، بما يتيح تقييم مدى احترام الالتزامات الموقعة وضمان الإنصاف بين الموظفين الذين تشملهم مقتضيات الاتفاق.

ولا تقتصر القضية على المتقاعدين الذين يطالبون بتسوية وضعياتهم قبل الإحالة على التقاعد، بل تشمل أيضاً موظفي التعليم الذين ما زالوا يزاولون مهامهم، في إطار ملف «ضحايا الزنزانة 11».

ويتمحور أحد أبرز المطالب حول الترقية إلى الدرجة الممتازة بأثر رجعي إداري ومادي ابتداءً من فاتح يناير 2012، بالنسبة إلى المستوفين للشروط، إلى جانب تسوية الوضعيات الإدارية المرتبطة بهذا الملف.

وفي المقابل، تشير المعطيات المرتبطة بالحوار القطاعي إلى تفعيل مقتضيات ذات صلة ابتداءً من يناير 2024 لفائدة فئة من المتقاعدين الذين أُحيلوا على التقاعد خلال سنة 2023.

ويظل المطلوب هو توضيح نطاق الاستفادة والفئات المشمولة والأساس القانوني المعتمد في تحديد تاريخ سريان المفعول، حتى لا تبقى حقوق المعنيين موضوع تأويلات متباينة.

وتزداد أهمية الموقف البرلماني لحزب التقدم والاشتراكية بالنظر إلى أن الحزب سبق أن أثار القضية من موقع المعارضة، مطالباً الحكومة باستكمال تنفيذ الاتفاق وإدراج الملف ضمن الحوار الاجتماعي.

واليوم، بعدما أصبح جزءاً من الأغلبية الحكومية، وتولى أمينه العام نبيل بنعبد الله حقيبة التربية الوطنية، تبرز أسئلة بشأن مدى إمكانية الانتقال من المطالبة بتسوية الملف إلى الدفع نحو معالجته من داخل الحكومة.

ولا يتعلق الأمر بافتراض أن المشاركة في الأغلبية تضمن وحدها حل القضية، أو أن وزير التربية الوطنية يستطيع حسم جميع جوانبها منفرداً، إذ قد تتطلب التسوية تنسيقاً بين القطاعات الحكومية المعنية، ولا سيما وزارة المالية، إلى جانب الحوار مع النقابات.

لكن انتقال الحزب من المعارضة إلى الأغلبية يجعل من المشروع انتظار توضيح موقفه الحالي، والكشف عن الخطوات التي يمكن أن يدفع بها لاستكمال الالتزامات التي سبق أن طالب بتنفيذها.

فالمصداقية السياسية لا تقاس فقط بالمطالب التي ترفع خارج الحكومة، بل كذلك بما يتحقق منها عندما يصبح أصحابها جزءاً من الأغلبية ويتقاسمون المسؤولية الحكومية.

وفي خضم هذا الانتظار، أعلنت النقابة الوطنية للتعليم، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، تنظيم وقفة احتجاجية وطنية إنذارية يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، على الساعة الحادية عشرة صباحاً، أمام مقر وزارة التربية الوطنية بالرباط.

ويطالب البلاغ النقابي بترقية المستوفين للشروط من الممارسين والمتقاعدين إلى الدرجة الممتازة، بأثر رجعي إداري ومادي ابتداءً من فاتح يناير 2012،

كما يثير مطلب تعميم السنوات الاعتبارية على الأساتذة خريجي السلم التاسع واحتسابها في الترقية إلى الدرجة الممتازة. وتحمل النقابة الوزارة والحكومة مسؤولية استمرار الاحتقان المرتبط بهذه الملفات.

وعاد الملف أيضاً إلى النقاش الإعلامي خلال حلقة برنامج «نقطة إلى السطر»، التي بثتها القناة الأولى مساء الثلاثاء 20 أكتوبر ، واستضافت وزير التربية الوطنية نبيل بنعبد الله.

فقد وجهت مقدمة البرنامج، صباح بنداود، إلى الوزير سؤالاً يتعلق تحديداً بمتقاعدي التعليم الذين يطالبون بترقيتهم إلى الدرجة الممتازة، غير أن الوزير لم يقدم جواباً عن هذا المطلب خلال الحلقة،

وفق المعطيات المتاحة. وفي المقابل، أكد استعداده لدراسة ما تبقى من مخرجات الحوار الاجتماعي القطاعي لسنة 2023، نقطة بنقطة. وهو تصريح يفتح الباب أمام انتظار توضيح عملي بشأن ما إذا كان ملف اتفاق 26 أبريل 2011، سيحظى بمعالجة ضمن الملفات التي ستتم دراستها، وكيفية إدراجه في مسار الحوار الاجتماعي.

وتتجه الأنظار بذلك إلى الحكومة ووزارة التربية الوطنية، ليس فقط لتوضيح الموقف من مطالب الترقية، وإنما أيضاً لتحديد المسار الذي يمكن أن يقود إلى تسوية الملف.

فهل ستتم الاستجابة لمطلب إدراج ما تبقى من اتفاق 26 أبريل 2011 ضمن جدول أعمال اللجنة الوطنية العليا للحوار الاجتماعي؟ وهل ستُفتح مشاورات واضحة مع النقابات المعنية، بمشاركة القطاعات الحكومية اللازمة، لتحديد الفئات المستحقة وشروط الاستفادة وتاريخ سريان المفعول؟ ثم هل ستُحدد آجال عملية لتنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه، بدل استمرار الملف بين المطالب النقابية والأسئلة البرلمانية وانتظارات الموظفين والمتقاعدين؟

إن طي هذا الملف لا يتحقق بمجرد استحضار اتفاق 2011 أو التأكيد على أهمية الحوار الاجتماعي، بل يتطلب تمييزاً واضحاً بين المقتضيات التي نُفذت وتلك التي لا تزال موضع مطالبة، وتوضيح الأساس القانوني لكل وضعية، ثم اتخاذ القرارات اللازمة في حدود النصوص المنظمة.

كما أن معالجة الملف بشفافية من شأنها أن تجيب عن تساؤلات الإنصاف بين القطاعات، وتساعد على الحد من الاحتقان داخل المنظومة التربوية.

وبالنسبة إلى نبيل بنعبد الله، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، فإن تأكيده دراسة ما تبقى من مخرجات الحوار الاجتماعي القطاعي لسنة 2023، نقطة بنقطة، يفتح المجال أمام توضيح موقف الوزارة من ملف اتفاق 26 أبريل 2011، وتحديد ما يمكن تسويته على المستوى القطاعي وما يستلزم تنسيقاً حكومياً أوسع.

ويكتسب هذا الانتظار أهمية إضافية في ضوء تأكيد المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية في آخر اجتمع له، أن التضامن داخل الأغلبية لا يتعارض مع الترافع عن قضايا المواطنين، والدفاع عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل بالهم.

فالاختبار هنا لا يتعلق بمدى انسجام الخطاب السياسي مع المطالب الاجتماعية فحسب، بل بقدرة الحكومة ومكوناتها على الانتقال إلى معالجة الملفات العالقة وفق مسار واضح، يستند إلى النصوص المنظمة ويحدد الفئات المستحقة وشروط الاستفادة والآجال الممكنة للتنفيذ. أما نساء ورجال التعليم، من الممارسين والمتقاعدين، فينتظرون أجوبة رسمية تضع حداً للالتباس وتوضح مصير مطالبهم.

وبين اتفاق يعود إلى سنة 2011، ومطالب نقابية وأسئلة برلمانية متواصلة، وموقف حزبي يؤكد استمرار الترافع من داخل الأغلبية، يصبح المطلوب هو تقديم توضيحات دقيقة بشأن ما نُفذ وما تبقى، وفتح مسار جدي للتسوية بمشاركة القطاعات الحكومية المعنية.

عندها فقط يمكن قياس أثر الالتزامات السياسية على أرض الواقع، ومدى انعكاس مبادئ الإنصاف واحترام القانون على وضعية الفئات التعليمية المعنية.