صادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، أمس الثلاتاء، على الصيغة النهائية المعدلة لمشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، بعد ماراثون تشريعي استمر لأزيد من ثماني ساعات متواصلة، شهد إدخال 502 تعديل على النص، في واحدة من أكثر جلسات البرلمان سخونة خلال الولاية التشريعية الحالية.
وجرى تمرير المشروع بأغلبية 16 نائباً مقابل معارضة 7 نواب، دون تسجيل أي امتناع، وسط أجواء مشحونة عكست حجم الانقسام السياسي والمهني حول مستقبل مهنة المحاماة بالمغرب، في ظل استمرار التوتر بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب.
ويأتي اعتماد الصيغة الجديدة للمشروع في سياق أزمة متواصلة بين وزير العدل عبد اللطيف وهبي وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، بعدما اتهمت الهيئات المهنية الوزارة بالتراجع عن التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال جولات الحوار السابقة، سواء عبر المفاوضات المباشرة أو بعد تدخل رئيس الحكومة عزيز اخنوش في فبراير الماضي لاحتواء حالة الاحتقان التي عاشتها منظومة العدالة بسبب إضرابات المحامين.
وبينما تعتبر وزارة العدل أن المشروع يمثل أحد أكبر أوراش تحديث المهن القضائية بالمغرب، ترى هيئات الدفاع أن النص يتجاوز مجرد الإصلاح التقني، ليطرح أسئلة عميقة حول مستقبل استقلالية المحاماة وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيم المهن الحرة.
وكانت الأزمة قد انفجرت بشكل فعلي منذ نهاية سنة 2025، حين أعلنت وزارة العدل التوصل إلى “توافق” حول مشروع الإصلاح، قبل أن تتحول الصيغة الأولى للنص إلى مصدر غضب واسع داخل الجسم المهني، بعد اعتبارها متضمنة لمقتضيات تمس باستقلالية المحاماة وتمنح الوزارة والنيابة العامة نفوذاً متزايداً داخل مجال ظل تاريخياً خاضعاً للتدبير الذاتي للهيئات المهنية.
ورغم إعادة المشروع إلى طاولة التفاوض داخل لجنة مشتركة عقب تدخل رئيس الحكومة، والتوصل لاحقاً إلى اتفاق أدى إلى تعليق الإضرابات، فإن الخلاف عاد بقوة مع بدء مناقشة المشروع داخل لجنة العدل، خاصة بعد إدخال تعديلات جديدة مست بنية المجالس المهنية وتمثيلية النقباء.
وحملت الصيغة الجديدة للمشروع تحولات عميقة في شروط الولوج إلى مهنة المحاماة، عكست توجهاً واضحاً نحو تشديد معايير الانتقاء وإعادة هيكلة مسار التكوين المهني.
فقد نصت المادة الخامسة على تحديد سن المترشح بين 21 و40 سنة، مع اشتراط الحصول على شهادة الماستر أو ما يعادلها في العلوم القانونية، إضافة إلى اجتياز مباراة ولوج المعهد الخاص بتكوين المحامين والخضوع لتكوين أساسي قبل الالتحاق بالممارسة المهنية.
كما منحت الصيغة الجديدة للحاصلين على شهادة الكفاءة المهنية مهلة ثلاثة أشهر لتقديم طلب التسجيل في لائحة التمرين، مع إمكانية قبول الأعذار المشروعة، في خطوة تهدف إلى إضفاء مرونة أكبر على المسار التكويني.
أما المادة 11، فقد نصت على تنظيم مباراة الولوج بشكل سنوي بقرار من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، بعد استطلاع رأي جمعية هيئات المحامين بالمغرب، مع تحديد فترة التكوين النظري في سنة واحدة.
ومن بين أكثر المقتضيات إثارة للنقاش، تقليص مدة المنع المفروضة على القضاة السابقين ورجال السلطة وبعض الموظفين من خمس سنوات إلى ثلاث سنوات فقط قبل السماح لهم بممارسة مهنة المحاماة.
وبررت اللجنة هذا التوجه بضرورة تسهيل إعادة إدماج الكفاءات القانونية والإدارية داخل القطاع، فيما اعتبر معارضو التعديل أن الخطوة قد تثير مخاوف مرتبطة بتضارب المصالح واستغلال النفوذ.
كما نص المشروع على إعفاء بعض القضاة السابقين من عدد من الشروط، شريطة ألا تكون نهاية مسارهم المهني مرتبطة بمخالفات تمس الشرف أو النزاهة.
وعرفت المادة 13 بدورها تعديلات مهمة تخص أساتذة التعليم العالي المتخصصين في القانون، حيث تم إعفاؤهم من شهادة الكفاءة المهنية ومن فترة التمرين العامة إذا توفرت لديهم ثماني سنوات من التدريس بعد الترسيم، مقابل إخضاعهم لفترة تمرين مدتها سنة واحدة فقط داخل مكتب محام يعينه النقيب، مع تحديد سقف عمري في 55 سنة.
ويأتي هذا التعديل في ظل الجدل الكبير الذي أثاره ملف ولوج الجامعيين إلى مهنة المحاماة خلال الأشهر الأخيرة، بعد احتجاجات نظمها أساتذة العلوم القانونية للمطالبة بحقهم في ممارسة الدفاع والترافع.
وفي محور تنظيم الممارسة المهنية، شددت المادة 14 على حالات التنافي، مانعة الجمع بين المحاماة وأي نشاط تجاري أو مهام تسيير داخل شركات تجارية أو وظائف قضائية أو إدارية، مع الإبقاء على استثناء محدود يخص التدريس العرضي لمادة القانون.
في المقابل، حملت المادة 33 تحولاً بارزاً عبر توسيع اختصاصات المحامين بشكل غير مسبوق، من خلال السماح لهم بالاشتغال كوكلاء للمهن الرياضية والفنية، إضافة إلى تعزيز أدوارهم في التحكيم والوساطة وفض النزاعات بالطرق البديلة.
كما كرست المادة نفسها الحصانة المهنية للمحامين، من خلال جعل الترافع والتمثيل القضائي والقيام بالإجراءات أمام المحاكم وكتابات الضبط والنيابة العامة اختصاصاً حصرياً للمحامين دون غيرهم.
غير أن المادة 123 ظلت النقطة الأكثر إثارة للغضب داخل جمعية هيئات المحامين بالمغرب، بعدما أعادت الصيغة الجديدة هيكلة تمثيلية النقباء داخل المجالس المهنية.
فالمشروع الجديد أدرج النقباء السابقين ضمن فئة المحامين العاديين الذين تتجاوز أقدميتهم 20 سنة، وهي الفئة التي خصص لها 40 بالمائة من مقاعد المجلس عبر الانتخاب المباشر، مع حصر العضوية التلقائية داخل المجلس في النقيب الممارس والنقيب السابق المباشر فقط.
وترى جمعية الهيئات أن هذا التعديل يشكل مساسا بالمكانة التاريخية للنقباء وتقليصا لأدوارهم الاستشارية والرمزية، بينما تدافع وزارة العدل عن الخطوة باعتبارها جزءا من تحديث حكامة المهنة وإعادة توزيع التمثيلية داخل المؤسسات المهنية.
ولتفادي أي فراغ قانوني أو ارتباك مؤسساتي، نصت المادة 145 على استمرار العمل مؤقتا بالقانون السابق رقم 28.08، خاصة فيما يتعلق بشروط الترشح وشواهد الأهلية، إلى حين دخول المعهد الجديد حيز الاشتغال الكامل.
ورغم تمرير المشروع داخل لجنة العدل، فإن المؤشرات القادمة من داخل هيئات المحامين توحي بأن الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد، في ظل حديث متزايد عن العودة إلى الاحتجاجات والإضرابات، بما قد يعيد المحاكم المغربية إلى أجواء التوتر والشلل التي عرفتها خلال الأشهر الماضية.



