في زمن أصبحت فيه التزكيات الانتخابية داخل عدد من الأحزاب موضوع تنافس شديد، وأحيانا سباقا نحو المواقع قبل أن تكون تكليفا سياسيا، اختار فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن يقدم نموذجا مختلفا بإعلانه عدم الترشح للانتخابات التشريعية عن دائرة بركان، مفضلا إفساح المجال أمام كفاءات ووجوه راكمت حضورها الانتخابي والميداني.
لقجع لخص موقفه بكلمات واضحة عندما تساءل عن معنى أن يترشح في بركان ويقطع الطريق على مرشح استطاع الفوز بمقعده باسم الأصالة والمعاصرة مرتين متتاليتين، وعن جدوى التهافت على الترشح عوض فتح المجال أمام الكفاءات.
قرار يستحق التنويه، ليس لأن صاحبه فوزي لقجع، ولا بسبب المسؤوليات التي يتحملها، وإنما لأن المبدأ الذي يحمله يحتاجه المشهد السياسي المغربي في هذه المرحلة. فالانتماء إلى قيادة حزب سياسي لا ينبغي أن يعني بالضرورة البحث عن مقعد برلماني، كما أن قوة الاسم أو النفوذ السياسي لا يفترض أن تتحول إلى أداة لإزاحة من راكموا عملا ميدانيا داخل دوائرهم.
وفي بركان تحديدا، تبدو رسالة لقجع أكثر وضوحا. فهو قادر بحكم حضوره واسمه على دخول المنافسة الانتخابية بثقل كبير، لكنه اختار، وفق ما عبر عنه، ألا يجعل من ذلك سببا لقطع الطريق أمام مرشح سبق أن كسب ثقة الناخبين باسم الحزب في مناسبتين متتاليتين.
وهنا تبرز قيمة القرار سياسيا وأخلاقيا. فالديمقراطية داخل الأحزاب لا تقاس فقط بعدد الاجتماعات واللوائح والمساطر التنظيمية، بل تقاس أيضا بقدرة القيادات على معرفة اللحظة التي ينبغي فيها التقدم، واللحظة التي يكون فيها التراجع خطوة تخدم التنظيم وتفتح الباب أمام الآخرين.
المغرب وهو مقبل على استحقاق تشريعي جديد يحتاج إلى نخب سياسية تؤمن بأن تجديد الطبقة السياسية لا يمكن أن يتحقق إذا ظلت الأسماء نفسها تتقدم إلى الصفوف الأولى في كل موعد انتخابي، بينما تنتظر أجيال من الكفاءات فرصة قد لا تأتي.
كما تحتاج الأحزاب إلى الانتقال من منطق البحث عن «المرشح الأقوى اسما» إلى بناء مرشحين أقوياء بالعمل والقرب من المواطنين والتراكم داخل الدوائر الانتخابية. فالبرلمان ليس جائزة تمنح للشخصيات البارزة، وإنما مؤسسة تمثيلية يفترض أن يصل إليها من يستطيع حمل انتظارات المواطنين والدفاع عنها.
ومن هذه الزاوية، يقدم موقف لقجع رسالة تستحق أن تلتقطها باقي القيادات الحزبية: ليس كل من يستطيع الحصول على التزكية مطالبا بطلبها، وليس كل من يستطيع الفوز بمقعد مطالبا بخوض السباق.
أحيانا تكون قوة السياسي في قدرته على الترشح والفوز، وأحيانا أخرى تكون قوته في أن يقول: هناك من يستحق الفرصة أكثر مني.
وإذا كان الجميع يتحدث اليوم عن تجديد النخب وتشبيب المؤسسات وإعادة الثقة إلى العمل السياسي، فإن الطريق إلى ذلك يبدأ من ممارسات بسيطة لكنها ذات دلالة كبيرة: أن يفسح المسؤول مكانه للكفاءة، وأن يحترم الحزب التراكم الميداني لمناضليه، وأن تصبح المسؤولية السياسية خدمة وليست سباقا دائما نحو المقاعد.
قرار فوزي لقجع بعدم الترشح في بركان يمكن قراءته، بهذا المعنى، باعتباره موقفا سياسيا قبل أن يكون قرارا انتخابيا. ومثل هذه المواقف هي التي يحتاج إليها المشهد الحزبي حتى يصبح الحديث عن تجديد النخب ممارسة فعلية، لا مجرد شعار يتكرر مع اقتراب كل انتخابات.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة



