حجم الخط + -
5 دقائق للقراءة

لم يقتصر عرض مشروع قانون المالية لسنة 2027 على تقديم التوجهات المالية للحكومة، بل امتد إلى نقاش سياسي واقتصادي حول حصيلة السياسات السابقة، وعلاقة الاختيارات الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية، وحدود الوعود الانتخابية.

وخلال الجلسة المشتركة لمجلسي البرلمان، الجمعة 23 أكتوبر، وجّه فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، انتقادات إلى مكونات من المعارضة، قبل أن يعرض تصوره لتصحيح الاختلالات التي اعتبر أنها أضعفت نتائج ورش الدولة الاجتماعية.

واستهل لقجع جانبا من مداخلته بالرد على الانتقادات المتعلقة بمدى التزام الحكومة بوعودها الانتخابية، متسائلا: «كيف يعقل أن يتم إطلاق أحكام بكون الحكومة قد تراجعت عن التزاماتها وعودها الانتخابية، والحال أن مشروع قانون المالية لم يكن قد وضع بعد لدى البرلمان؟».

واعتبر أن الحكم على حصيلة الحكومة قبل الاطلاع على المشروع ومناقشة إجراءاته لا يوفر أساسا كافيا لتقييم اختياراتها، كما استغرب انتظار تنفيذ الالتزامات الانتخابية كاملة منذ السنة التشريعية الأولى.

وفي تصعيده تجاه بعض مكونات المعارضة، قال الوزير إن «المعارضة ليست بهذه السهولة»، مضيفا أن «الشعبوية لم تفلح مع السابقين فأحرى مع اللاحقين». كما اتهم بعض مسؤولي الأحزاب بتجنيد شباب لنشر ما وصفه بالأخبار الكاذبة عبر منصات التواصل الاجتماعي بشأن تراجع الحكومة عن وعودها، محذرا بالقول: «على الأقل إن عجزوا عن الإقلاع عن هذه العادة السيئة، فعليهم أن لا يتركوا آثارا كثيرة تفضحهم في المستقبل القريب».

ورغم حدة هذه الانتقادات، فإن مناقشة مشروع قانون المالية تقتضي التمييز بين الاتهامات السياسية من جهة، والدور الرقابي للمعارضة من جهة أخرى؛ إذ تظل مساءلة الحكومة بشأن الوعود والإنفاق العمومي جزءا أساسيا من العمل البرلماني، فيما يتيح المشروع المالي اختبار مدى ترجمة الالتزامات المعلنة إلى تدابير قابلة للتنفيذ والتقييم.

وبعيدا عن هذا السجال، يستحضر مشروع قانون المالية التوجيهات الملكية، بما فيها القضايا التي أكدها الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح البرلمان، إلى جانب التوجهات الاستراتيجية التي حددها المجلس الوزاري والبرنامج الحكومي.
ويضع هذا الإطار أمام الحكومة مسؤولية الربط بين الأولويات السياسية والاختيارات المالية، حتى لا تبقى الأهداف الاجتماعية والاقتصادية مجرد تعهدات عامة منفصلة عن وسائل التنفيذ.

وفي هذا السياق، انتقل لقجع إلى تشخيص ما اعتبره اختلالا في العلاقة بين السياسة الاجتماعية والسياسة الاقتصادية. وأوضح أن مفهوم «الدولة الاجتماعية» احتل مساحة واسعة في الخطاب العمومي، لكن النتائج، بحسب تقييمه، لم تستجب بما يكفي للانتظارات.

وربط ذلك بما وصفه بالفصل بين البعدين الاجتماعي والاقتصادي، قائلا إن «المفارقة الكبرى التي أدت لهذا الوضع تتمثل في الفصل بين البعد الاجتماعي والبعد الاقتصادي».

واعتبر الوزير أن السياسات الاجتماعية بذلت مجهودات مالية مهمة لتحسين ظروف عيش المواطنين، في حين اتجهت السياسة الاقتصادية، وفق تشخيصه، إلى تكريس منطق السوق من دون ضوابط كافية.

وربط هذا المسار بانتشار «ثقافة الربح السريع والفاحش، ومظاهر الريع والاحتكار والوساطة الطفيلية»، وهي ممارسات يرى أنها تحد من أثر الإنفاق العمومي وتضعف قدرة السياسات الاجتماعية على تحقيق الإنصاف.

ومن هذا المنطلق، لم يعد الرهان، وفق التصور الذي عرضه لقجع، مقتصرا على تخصيص موارد إضافية للدعم الاجتماعي، بل أصبح مرتبطا بطبيعة الاقتصاد الذي يفترض أن يمول هذه الالتزامات، وبالقواعد التي تضبط المنافسة والأسواق، وبمدى قدرة الاستثمار على خلق الثروة وفرص الشغل.

وحذر الوزير من اختلال العلاقة بين السوق ودور الدولة، مستحضرا ما وصفه بمظاهر «الرأسمالية المتوحشة» والنيوليبرالية وما ارتبط بها من توترات في عدد من دول العالم.

وخلص لقجع إلى أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن السياسة الاقتصادية، مؤكدا أن «لا يمكن بناء دولة اجتماعية تسودها العدالة الاجتماعية إلا إذا خضع البعدان الاقتصادي والاجتماعي لمنظور متكامل داخل نسق موحد». ويضع هذا التصور مشروع مالية 2027 أمام اختبار يتجاوز حجم الاعتمادات المخصصة للبرامج الاجتماعية، ليشمل أثر الاختيارات الاقتصادية على القدرة الشرائية والتشغيل وتوزيع ثمار النمو.

وتتوزع الأولويات الاستراتيجية للمشروع على خمسة محاور مترابطة. يتصدرها دعم القدرة الشرائية وتوطيد أسس دولة اجتماعية مستدامة، من خلال إصلاح الأسواق والأسعار، ومواصلة تعميم التغطية الصحية مع الحرص على استدامة أنظمتها، ومراجعة الدعم الاجتماعي المباشر، وتأهيل المنظومتين العموميتين للصحة والتعليم، ومواصلة برنامج الدعم المباشر للسكن.

ويضع هذا المحور الحكومة أمام تحدي تحسين ظروف العيش بصورة ملموسة، مع ضمان أن تظل الالتزامات الاجتماعية قابلة للتمويل على المدى المتوسط والبعيد.

ويأتي إدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل اللائق ضمن الأولوية الثانية، عبر التوجه نحو برنامج وطني مندمج للفترة 2027-2031.
وتقوم أهمية هذا الاختيار على تجاوز تشتت المبادرات القطاعية إلى مقاربة تتابع مسار الشباب من التكوين والتأهيل المهني إلى الاندماج في سوق العمل، مع تسهيل الولوج إلى التمويل والضمان والأسواق.

غير أن أثر هذه البرامج سيظل مرتبطا بمدى قدرة الاقتصاد على إحداث فرص عمل فعلية، وبمدى توافق التكوين مع حاجيات المقاولات والقطاعات المنتجة.

أما المحور الثالث، فيتعلق بتسريع الجهوية المتقدمة وإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، مع تخصيص اعتمادات تقدر بنحو 25 مليار درهم لهذه البرامج. ويرتبط هذا التوجه بإعادة تنظيم اختصاصات الجهات وفق مبادئ الوضوح والنجاعة، وتعزيز التنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات، واستكمال تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري.

ويستهدف هذا المسار جعل التنمية أكثر ارتباطا بحاجيات المجالات المحلية، والحد من الفوارق في توزيع الخدمات والاستثمارات، مع ضرورة توفير آليات واضحة لتتبع تنفيذ المشاريع وقياس نتائجها.

ويخصص المحور الرابع لتعزيز السيادة الاستراتيجية في مجالات الماء والطاقة والغذاء والرقمنة. ويشمل ذلك تقوية الأمن المائي، وتسريع تطوير الطاقات المتجددة، ومواصلة تنزيل العرض المغربي في مجال الهيدروجين الأخضر، والتقدم في خارطة طريق البنية التحتية للغاز، إلى جانب اتخاذ تدابير لتعزيز الأمن الغذائي والسيادة الرقمية.

وتكتسب هذه الأولوية أهميتها من ارتباطها بقدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التقلبات الخارجية وتأمين الموارد الضرورية للإنتاج والاستثمار والخدمات.

ويتمثل المحور الخامس في بناء اقتصاد قوي قادر على تمويل الطموحات الاجتماعية والاستراتيجية، بالتوازي مع تسريع الإصلاحات المؤسساتية والحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية والمالية.

ويشمل هذا التوجه دعم الاستثمار الخاص، وتوطيد آليات ميثاق الاستثمار، ومواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، وتعزيز مواكبة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، إلى جانب تطوير منظومات صناعية جديدة ذات طابع سيادي.
ويعكس هذا المحور إدراكا بأن توسيع البرامج الاجتماعية يتطلب قاعدة إنتاجية قادرة على خلق الثروة وتوفير موارد مستدامة لتمويلها.

وتكشف هذه الأولويات الخمس عن ترابط بين الملفات الاجتماعية والتشغيل والتنمية الترابية والسيادة الاقتصادية، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤال التنفيذ. فنجاح البرامج لا يتوقف على إعلان أهدافها، بل يتطلب تحديد الاعتمادات المخصصة لكل قطاع، والجدول الزمني لإنجاز المشاريع، ومؤشرات قياس الأثر، والجهات المسؤولة عن التنفيذ.

كما أن توسيع الإنفاق الاجتماعي يحتاج إلى موارد مستقرة، حتى لا تتحول الالتزامات الجديدة إلى ضغوط إضافية على التوازنات المالية.

ومن هنا، لا تكتمل قراءة مشروع قانون المالية بالوقوف عند محاوره الاستراتيجية وحدها. فالتقييم المالي الدقيق يستلزم أيضا فحص توقعات المداخيل الضريبية وغير الضريبية، ونفقات الموظفين، والاستثمار العمومي، والدعم الاجتماعي والمقاصة، وخدمة الدين، إلى جانب التدابير الضريبية والحسابات الخصوصية للخزينة والموارد الموجهة إلى المؤسسات والمقاولات العمومية.

وتتيح هذه التفاصيل تحديد كيفية توزيع الموارد، والقطاعات التي تحظى بالأولوية، ومدى التوازن بين النفقات الجارية والاستثمار، وكلفة الوفاء بالالتزامات الحكومية.

ولا يمكن، في غياب تحليل هذه الأرقام مجتمعة، الجزم بمدى كفاية الموارد المرصودة لتحقيق جميع الأهداف المعلنة. لذلك، يظل الحكم على المشروع مرتبطا بمدى الانسجام بين أولوياته الخمس ومصادر تمويلها، وبقدرته على تحويل الإنفاق إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين، سواء من حيث الخدمات العمومية أو فرص الشغل أو القدرة الشرائية أو تقليص الفوارق بين الجهات.

وبذلك، تضع ميزانية 2027 الحكومة أمام اختبار مزدوج: معالجة الاختلالات التي أشار إليها لقجع، وتقديم وسائل عملية تترجم التوجهات الاجتماعية والاقتصادية إلى نتائج قابلة للقياس.

أما السجال مع المعارضة، فرغم حضوره في جلسة التقديم، فلن يحسم وحده تقييم المشروع؛ إذ ستظل فعالية الاختيارات المالية، ونجاعة تنفيذها، ومدى استجابتها للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية، هي العناصر الأساسية في الحكم على حصيلة هذه الميزانية.