من روما إلى فاس، يواصل المفكر والباحث في الأنثروبولوجيا فوزي السقلي مشروعاً فكرياً يقوم على سؤال يتجاوز حدود الدين والثقافة: كيف يمكن للروحانية أن تساهم في إعادة بناء جسور اللقاء بين البشر، في عالم تتسع فيه الانقسامات المرتبطة بالهوية والثقافة والانتماء؟
ويأتي هذا السؤال في صلب مسار السقلي، الذي عاد مؤخراً من روما، حيث التقى البابا ليون الرابع عشر وقدم له كتابه «يسوع في التقليد الصوفي»، في خطوة تحمل دلالات رمزية قوية، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها شخصية يسوع في التقاليد المسيحية والإسلامية، وفي الأدبيات الصوفية على وجه الخصوص.
ولا يقدم السقلي هذه الشخصيات الروحية باعتبارها نقاطاً لإلغاء الاختلاف بين الأديان، بل باعتبارها فضاءات للتعارف والحوار. فالحوار بين التقاليد، في نظره، لا يعني البحث عن عقيدة واحدة أو مزج الخصوصيات، وإنما يبدأ من معرفة كل طرف لتراثه بعمق، ثم الانفتاح على تراث الآخر واحترام اختلافه.
وبعد اشتغاله على شخصية موسى، يتجه السقلي اليوم نحو شخصية مريم عليها السلام، التي تحتل مكانة متميزة في الذاكرة المسيحية والإسلامية، وتحمل في القرآن الكريم سورة كاملة باسمها.
غير أن مريم، بالنسبة إلى هذه الرؤية، ليست فقط موضوعاً للمقارنة بين النصوص الدينية، بل تمثل أيضاً قيماً روحية وإنسانية مثل الصمت والثقة والانفتاح والاستعداد، وهي قيم يمكن أن تمنح الحوار بين الثقافات والأديان بعداً أعمق من اللقاءات الرسمية والخطابات المؤسساتية.
فاس.. حين يتحول التراث إلى سؤال معاصر
في فاس، يجد هذا المشروع امتداده الطبيعي، مع اقتراب الدورة الثامنة عشرة من مهرجان فاس للثقافة الصوفية، الذي يواصل تقديم التصوف ليس فقط باعتباره جزءاً من الذاكرة المغربية، وإنما باعتباره تراثاً حياً قادراً على التفاعل مع أسئلة الإنسان المعاصر.
وتكتسب فاس، بما راكمته عبر قرون من العلم والمعرفة والتصوف والتبادل الثقافي، موقعاً خاصاً في هذا المشروع. فالمدينة لم تكن مجرد حاضرة تاريخية، بل فضاءً التقت فيه مدارس فكرية وثقافات وتجارب روحية متعددة.
ومن هذا المنطلق، يسعى المهرجان إلى تقديم صورة عن المغرب باعتباره فضاءً للحوار والانفتاح، وإلى جعل الثقافة والروحانية وسيلتين لإعادة بناء جسور التواصل في عالم يعرف توترات وانقسامات متزايدة.
ولا يتعامل المهرجان مع التصوف كتراث محفوظ داخل الكتب أو المتاحف، بل كطاقة فكرية وروحية يمكن أن تساهم اليوم في طرح أسئلة الإنسان حول الذات والآخر والمعرفة ومعنى العيش المشترك.
«الشعر الصوفي، إكسير للشفاء».. الثقافة في مواجهة الانقسام
وتأتي الدورة المقبلة تحت شعار «الشعر الصوفي، إكسير للشفاء»، وهو شعار يفتح النقاش حول قدرة الشعر والفن والروحانية على المساهمة في معالجة جراح تتجاوز الفرد لتصل إلى المجتمع والثقافة والحضارة.
فالشفاء هنا لا يحمل معنى طبياً، وإنما يحيل إلى ترميم الإنسان من الداخل، وإلى تجاوز مشاعر الانغلاق والخوف والقطيعة التي أصبحت جزءاً من المشهد العالمي المعاصر.
ومن الرومي إلى ابن عربي والعطار، شكل الشعر الصوفي على امتداد قرون لغة للبحث عن المعنى، ووسيلة لتجاوز الحواجز دون إلغاء الاختلاف. فهو لا ينكر تعدد التجارب، لكنه يبحث عن المشترك الإنساني الذي يجعل الحوار ممكناً.
وفي هذا السياق، تصبح الثقافة أيضاً أداة لمواجهة الجهل والصور النمطية، والتذكير بأن الحضارات لم تنشأ في عزلة، وإنما تطورت عبر السفر والتبادل والترجمة والتأثير المتبادل.
ومن هنا تأتي أهمية المشروع الذي يحمله فوزي السقلي، والذي يضع الشخصيات الروحية الكبرى، من موسى ويسوع إلى مريم عليهم السلام، في قلب سؤال معاصر حول إمكانية اللقاء بين المختلفين.
إنها رؤية تعتبر أن الروحانية ليست هروباً من الواقع، وإنما يمكن أن تكون وسيلة لفهمه وإعادة بناء العلاقات داخله، وأن فاس، بما تختزنه من ذاكرة روحية وثقافية، قادرة على أن تكون مرة أخرى فضاءً للقاء، لا بين الأديان فقط، بل بين الإنسان والإنسان.



