حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

تفرض الخصوصية الجغرافية لجهة درعة تافيلالت تحديات تنموية تختلف عن العديد من جهات المملكة، بالنظر إلى شساعة مجالها الترابي وتباعد عدد من التجمعات السكانية ووجود مناطق جبلية وقروية وواحاتية تحتاج إلى استثمارات متواصلة في الطرق والنقل والماء والخدمات الاجتماعية.
وفي جهة تضم الراشيدية وورزازات وميدلت وتنغير وزاكورة، لا يمكن اختزال التنمية في المراكز الحضرية الكبرى وحدها، لأن نجاح الجهوية المتقدمة يقاس أساساً بمدى وصول المشاريع والخدمات إلى القرى والمناطق الجبلية والواحات البعيدة.
ويأتي فك العزلة في مقدمة هذه الرهانات. فالطريق في درعة تافيلالت ليست مجرد وسيلة للتنقل، بل شريان اقتصادي واجتماعي يربط المواطن بالمدرسة والمستشفى والسوق والإدارة وفرص العمل والاستثمار، ويسمح للمنتجات المحلية بالوصول إلى مراكز التسويق.
كما يشكل تحسين النقل والربط بين أقاليم الجهة وبينها وبين باقي مناطق المملكة عاملاً أساسياً في تعزيز جاذبية الاستثمار والسياحة، لأن المسافات الطويلة وكلفة التنقل يمكن أن تتحولا إلى عائق أمام المقاولات والسكان إذا لم تتم مواكبتهما ببنيات تحتية فعالة.
ويبرز ملف الماء باعتباره واحداً من أكبر التحديات الاستراتيجية التي تواجه الجهة، خصوصاً في ظل توالي سنوات الجفاف والضغط المتزايد على الموارد المائية. فالأمن المائي يرتبط مباشرة باستمرار الواحات والزراعة واستقرار السكان والمحافظة على الأنشطة الاقتصادية المحلية.
ويتطلب ذلك تسريع المشاريع المرتبطة بتأمين الماء الصالح للشرب، وترشيد استعمال الموارد المائية، وتطوير تقنيات السقي، والبحث عن حلول مبتكرة ومستدامة تتناسب مع الطبيعة المناخية للمنطقة.
إلى جانب البنيات التحتية والماء، يبقى التشغيل الاختبار الحقيقي لأي سياسة تنموية. فنجاح المشاريع لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الاستثمارات المعلنة أو عدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بعدد فرص العمل التي تخلقها ومدى انعكاسها على دخل الأسر ومستوى عيش المواطنين.
ويمكن للجهة أن تراهن على مجموعة من القطاعات لتوفير فرص أكبر للشباب، من بينها السياحة والفلاحة والصناعات الغذائية والصناعة السينمائية والطاقة المتجددة والمناجم والصناعة التقليدية والخدمات والاقتصاد الرقمي.
ويحتاج الشباب في الراشيدية وورزازات وميدلت وتنغير وزاكورة إلى منظومة تربط التكوين مباشرة بحاجيات سوق الشغل، لأن خلق المشاريع الاقتصادية دون توفير الكفاءات المناسبة، أو تكوين الشباب في تخصصات لا تجد طلباً في السوق، يؤدي إلى استمرار الفجوة بين التعليم والتشغيل.
كما يشكل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ورشاً مهماً يمكن من خلاله دعم التعاونيات والمقاولات المحلية، خصوصاً تلك المرتبطة بالمنتجات المجالية والصناعة التقليدية والخدمات السياحية، مع ضرورة تجاوز منطق الدعم المحدود نحو بناء مقاولات قادرة على الإنتاج والتسويق والمنافسة.
وتتحمل المؤسسات المنتخبة والسلطات والمؤسسات العمومية والفاعلون الاقتصاديون مسؤولية مشتركة في تحويل البرامج التنموية إلى نتائج ملموسة، مع ضرورة تعزيز الحكامة وتتبع تنفيذ المشاريع واحترام آجال الإنجاز وقياس أثر كل استثمار على حياة السكان.
فالجهوية المتقدمة لا تعني فقط نقل الاختصاصات أو إعداد البرامج، وإنما تقتضي جعل القرار التنموي أقرب إلى المواطن وربط المسؤولية بالنتائج، خصوصاً في جهة تحتاج إلى معالجة الفوارق المجالية وتحقيق التوازن بين المدن والمناطق القروية والجبلية.
ودرعة تافيلالت قادرة على أن تتحول إلى قطب اقتصادي وسياحي وثقافي مهم، لكن ذلك يتطلب رؤية تجعل الإنسان في قلب التنمية، وتربط الطريق بالاستثمار، والماء بالفلاحة، والتكوين بالتشغيل، والسياحة بالاقتصاد المحلي، والسينما بالصناعة والخدمات.
ويبقى الرهان الأكبر أن يشعر المواطن في أبعد قرية أو واحة، كما في مراكز المدن، بأن المشاريع الجهوية انعكست فعلياً على حياته اليومية. فالتنمية الحقيقية ليست أرقاماً في التقارير، وإنما طريق تصل إلى القرية، وماء يصل إلى البيت، ومدرسة تستقبل أبناء المنطقة، واستثمار يخلق وظيفة، وفرصة تمنح الشباب سبباً لبناء مستقبلهم داخل جهتهم.