حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

خارج البنوك وشركات التمويل التقليدية، توجد في المغرب معاملات مالية لا ينبغي اختزالها كلها في صورة المقرض الذي يستغل حاجة المدين. فالواقع الاقتصادي أكثر تعقيدا: هناك مقاولون وتجار وأصحاب مشاريع وجدوا أنفسهم في لحظة معينة أمام أزمة سيولة حادة، وأغلقت البنوك أمامهم باب التمويل بسبب تعثر سابق أو مديونية مرتفعة أو ضعف المؤشرات المالية، بينما كان الحصول على المال خلال أيام كفيلا بإنقاذ مقاولة كاملة من الإفلاس.


في مثل هذه الحالات، ظهر أشخاص يمتلكون السيولة ومستعدون لتحمل مخاطر لا تقبل بها المؤسسة البنكية، ومنحوا تمويلات قد تصل إلى مئات الآلاف وحتى ملايين الدراهم. وبعض هذه الأموال، مهما كانت كلفتها مرتفعة، ساعدت فعليا أصحاب مشاريع على تسديد أجور العمال، أو الوفاء بالتزامات مستعجلة، أو شراء بضائع، أو إتمام صفقات، أو تجاوز مرحلة مالية كان من الممكن أن تنتهي بإغلاق المقاولة.
وهنا يجب طرح السؤال بطريقة مختلفة: هل الحل هو محاربة هذه الظاهرة فقط، أم إخراج الجزء الاقتصادي المفيد منها من الظل وإدخاله إلى القانون؟
فالمشكلة ليست في وجود مستثمر مستعد لوضع أمواله في مشروع يمر بأزمة مقابل عائد يعكس مستوى المخاطرة. هذا مبدأ موجود بأشكال مختلفة في الاقتصادات المتقدمة. المشكلة تبدأ عندما تتم العملية دون إطار واضح يحدد حقوق الممول والمدين، وطريقة احتساب العائد، وحدود غرامات التأخير، ومصدر الأموال، والضمانات، وآليات فض النزاع.
وفي بعض المعاملات المتداولة خارج المنظومة البنكية، يمكن أن تصل تكلفة التأخير، بحسب ما يتفق عليه الأطراف، إلى مستويات مرتفعة للغاية، من بينها نسب في حدود 10 في المائة عن كل شهر تأخير. وهنا يتحول التمويل الذي أنقذ المقاولة في البداية إلى خطر قد يبتلعها لاحقا.
لكن لماذا يقبل المقاول بهذه الشروط أصلا؟
لأن البنك ينظر، وهذا مفهوم من زاوية إدارة المخاطر، إلى الحسابات والديون والضمانات وتاريخ الأداء. وعندما تكون المقاولة أصلا في أزمة، تصبح هي تحديدا الزبون الذي لا يرغب البنك في تمويله، رغم أنها قد تكون في أمس الحاجة إلى المال.
وهنا توجد مفارقة اقتصادية حقيقية: من يحتاج إلى المال وهو في وضع جيد يجد التمويل، ومن يحتاج إليه لإنقاذ نفسه من وضع سيئ قد يجد الأبواب مغلقة.
ولهذا طورت الأسواق المالية عالميا أدوات مختلفة لتمويل الشركات التي لا تستجيب دائما لشروط القرض البنكي التقليدي، مثل private equity وventure capital وprivate credit وتمويل إعادة الهيكلة والإنقاذ. وهي آليات تختلف فيما بينها، لكنها تنطلق من فكرة واحدة: ارتفاع المخاطر لا يعني بالضرورة رفض التمويل، وإنما يحتاج إلى مستثمر مستعد لتحمل المخاطر مقابل عائد مناسب وإطار قانوني واضح.
ومن الضروري هنا عدم الخلط بين القرض ورأس المال المخاطر. ففي الـcapital-risque لا يمنح المستثمر، في الأصل، قرضا تقليديا للشركة، بل يدخل في رأسمالها ويتقاسم معها المخاطر وإمكانية الربح. فإذا نجح المشروع يربح المستثمر، وإذا فشل قد يخسر جزءا أو كل استثماره. وهذا مختلف جذريا عن شخص يسلم مليون درهم ويطالب باسترجاعه مضافا إليه نسبة محددة مهما كانت نتيجة المشروع.
وربما يكون هذا تحديدا أحد المجالات التي يحتاج المغرب إلى تطويرها بصورة أكبر: تمويل الإنقاذ للمقاولات التي تمتلك نشاطا اقتصاديا حقيقيا لكنها تمر بأزمة مؤقتة.
فليست كل مقاولة تعاني صعوبة في السيولة مقاولة فاشلة. قد تكون لديها طلبيات وزبائن وأصول وعمال ومستحقات لم تحصلها بعد، لكنها تحتاج إلى ثلاثة ملايين درهم اليوم حتى تستمر ثلاثة أشهر أخرى. البنك قد يعتبر وضعيتها عالية المخاطر، بينما يستطيع مستثمر خاص دراسة ملفها بطريقة مختلفة والقول: سأتحمل المخاطرة مقابل شروط محددة.
بدل أن تتم هذه العملية في المقاهي والمكاتب الخاصة وبعقود قد تفتح الباب لاحقا لنزاعات قاسية، لماذا لا يوجد إطار واضح يسمح بإنشاء صناديق أو شركات للتمويل الخاص وتمويل الإنقاذ تخضع للترخيص والمراقبة؟
يمكن أن يسمح هذا النموذج لأصحاب رؤوس الأموال باستثمار أموالهم بصورة قانونية وشفافة، مع التحقق من مصدر الأموال، وتحديد قواعد واضحة للتعاقد، والإفصاح الكامل عن التكلفة والمخاطر، ومنع الشروط التعسفية، وإخضاع النشاط للضرائب والمراقبة.
وفي المقابل، لا ينبغي قتل هذا السوق بسقف للعائد لا يعكس مستوى المخاطر. فمن غير المنطقي مطالبة مستثمر بتمويل مقاولة رفض البنك تمويلها، وتحمل احتمال خسارة أمواله، ثم منحه العائد نفسه تقريبا الذي يحصل عليه البنك مقابل تمويل زبون أكثر أمانا.
المطلوب هو التوازن بين حرية الاستثمار وحماية المقترض.
يمكن مثلا أن يأخذ التمويل شكل قرض خاص منظم، أو دخول مؤقت في رأسمال المقاولة، أو قرض قابل للتحويل إلى أسهم، أو مشاركة في الأرباح، أو تمويل مضمون بأصول أو فواتير ومستحقات مستقبلية. وهكذا يصبح أمام المقاول أكثر من خيار بدل الثنائية الحالية: البنك أو المقرض غير المنظم.
وهنا يمكن لبنك المغرب والحكومة والهيئة المغربية لسوق الرساميل ومؤسسات الاستثمار التفكير في منظومة أكثر تطورا للـprivate credit وتمويل المقاولات المتعثرة القابلة للإنقاذ، مع تحديد دقيق للجهة التي تراقب كل نشاط بحسب طبيعته القانونية.
فالهدف لا ينبغي أن يكون منح الأموال لكل مقاولة تعاني مشاكل مالية. بعض الشركات غير قابلة للإنقاذ، وتمويلها أكثر قد يؤجل الإفلاس فقط ويضاعف الخسائر. المطلوب هو التمييز بين مقاولة فاشلة اقتصاديا ومقاولة سليمة أصابتها أزمة سيولة مؤقتة.
وهذا التمييز يحتاج إلى خبراء في التمويل وإعادة الهيكلة، وليس فقط إلى موظف يضع علامة حمراء أمام ملف بنكي متعثر.
كما أن التقنين سيحمي الممول نفسه. فمن يضع خمسة أو عشرة ملايين درهم من ماله في تمويل مقاولة عالية المخاطر يحتاج بدوره إلى ضمانات قانونية وآلية واضحة لاسترداد حقوقه إذا لم يحترم الطرف الآخر الاتفاق.
إذن، القضية ليست حربا بين «المقترض الضحية» و«المقرض الجشع». هناك منطقة اقتصادية كاملة بينهما تستحق التنظيم.
لقد أنقذت بعض التمويلات الخاصة، بحسب تجارب متداولة بين الفاعلين الاقتصاديين، أشخاصا ومقاولات من أزمات حقيقية، لكن ترك هذا النشاط في الظل يسمح في الوقت نفسه بظهور ممارسات يمكن أن تجعل الدين يتضخم إلى مستويات مدمرة.
لذلك قد يكون السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم على بنك المغرب والحكومة ليس: كيف نمنع الناس من إقراض بعضهم؟ وإنما: كيف نحول الأموال التي تتحرك خارج النظام إلى صناعة تمويل خاصة، قانونية، شفافة وخاضعة للرقابة؟
المغرب يحتاج إلى بنوك قوية، لكنه يحتاج أيضا إلى مستثمرين مستعدين للمخاطرة. ويحتاج إلى مؤسسات لرأس المال الاستثماري، وإلى سوق أكثر عمقا للتمويل الخاص، وإلى أدوات لإنقاذ المقاولات القابلة للحياة قبل وصولها إلى الإفلاس.
فالمقاولة التي تمر بأزمة اليوم قد تعود إلى الربح غدا وتحافظ على عشرات أو مئات الوظائف. وإنقاذها ليس خدمة لصاحبها وحده، بل حماية لقيمة اقتصادية ولعمال وموردين وأسر مرتبطة بها.
تقنين التمويل الخاص لا يعني تقنين الاستغلال، بل العكس تماما: إخراج المال من الظل، حماية الممول والمقترض معا، وتحويل المخاطرة من علاقة شخصية غير منظمة إلى استثمار اقتصادي تحكمه قواعد واضحة.
وهنا قد تكون أمام المغرب فرصة حقيقية: بدل ترك «الطالع» يتحول إلى بنك مواز، لماذا لا تتحول السيولة الخاصة إلى رأس مال وتمويل إنقاذ منظم يساعد المقاولات على الوقوف مجددا على أقدامها؟