لا تتوقف رهانات تشكيل الحكومة المغربية الجديدة عند تحديد مكونات الأغلبية وتوزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة البرنامج الذي ستلتزم به الحكومة المقبلة، ومدى قدرتها على التوفيق بين التوجيهات الملكية السامية والوعود الانتخابية والمطالب الاجتماعية المتراكمة.
فبعد انتخابات 23 شتنبر 2026 وتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، تتجه الأنظار إلى مآل المشاورات السياسية، وإلى ما إذا كانت المفاوضات بشأن المناصب والقطاعات الوزارية ستفضي إلى أغلبية متماسكة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتظرها.
وتشير المعطيات المتداولة بشأن المشاورات إلى توجه نحو أغلبية تتمحور حول حزب الأصالة والمعاصرة وأحزاب الكتلة الديمقراطية، وهي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية. وتجمع هذه الأحزاب، وفق النتائج النهائية للانتخابات، 207 مقاعد من أصل 395، بما يوفر لها أغلبية برلمانية.
غير أن الصيغة النهائية للتحالف تظل مرتبطة بما ستسفر عنه المفاوضات بشأن المشاركة الحكومية وتوزيع المسؤوليات وصياغة برنامج مشترك. أما الحركة الشعبية، التي حصلت على 29 مقعداً، فلم يُحسم بعد في مشاركتها، وهو ما يجعل موقفها عنصراً إضافياً في تحديد التركيبة النهائية للأغلبية.
ويحتل توزيع الحقائب الوزارية موقعاً أساسياً في هذه المشاورات، بالنظر إلى ارتباطه بوزن الأحزاب وطموحاتها، وكذلك بطبيعة القطاعات التي ستتولى تدبيرها. فالتفاوض لا يقتصر على عدد المناصب، بل يشمل أيضاً توزيع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وتحديد المسؤوليات، وضمان الانسجام بين مكونات الحكومة.
لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في التوصل إلى اتفاق بشأن الأسماء والحقائب وحده، بل في مدى قدرة الأطراف المتحالفة على تجاوز الحسابات الحزبية لصالح برنامج واضح، يحدد الأولويات ووسائل التمويل وآجال التنفيذ وآليات التقييم والمساءلة.
وتزداد أهمية هذا الرهان في ضوء الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه الملك محمد السادس أمام البرلمان في 9 أكتوبر الجاري، والذي دعا إلى جعل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً في مسار التنمية، يوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية.
كما أكد ضرورة إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتسريع تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين تموين السوق بالمواد الأساسية.
ودعا القطاع الخاص إلى الاضطلاع بدور أكبر في الاستثمار والتصدير وخلق فرص الشغل، مع وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية من خلال التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص.
كما ربط الخطاب الملكي السامي، بين التنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج، وبين تسريع الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري ونقل الصلاحيات والموارد اللازمة إلى الجهات والأقاليم.
وهو ما يضع الحكومة المقبلة أمام مسؤولية تجاوز المقاربات القطاعية المنعزلة، واعتماد سياسة تنموية تراعي الاختلافات بين المجالات الترابية، وتضمن استفادة المواطنين من فرص الشغل والخدمات الصحية والتعليمية والبنيات الأساسية، أينما كانوا.
وتتقاطع هذه الأولويات مع عدد من الوعود التي حملتها البرامج الانتخابية للأحزاب المرشحة للمشاركة في الأغلبية. فقد أعلن حزب الأصالة والمعاصرة عن برنامج بغلاف مالي يصل إلى 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، يتضمن إجراءات لدعم القدرة الشرائية وإدماج الشباب، مع التعهد بإحداث مليون منصب شغل صافٍ خلال الولاية.
وقدم حزب الاستقلال 99 إجراءً تشمل دعم الأسر وتحسين القدرة الشرائية والخدمات العمومية والتعليم والصحة والسكن ومحاربة الفساد وتعزيز السيادة الاقتصادية.
ويركز الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على التنمية المنصفة والالتزامات الاجتماعية، فيما يعطي حزب التقدم والاشتراكية الأولوية لتقوية المدرسة والمستشفى العموميين وتوسيع الحماية الصحية وتحسين الأوضاع الاجتماعية.
وفي حال التحقت الحركة الشعبية بالأغلبية، فإن برنامجها الانتخابي، الذي حمل اسم «العقد الحركي»، سيشكل بدوره جزءاً من النقاش بشأن الأولويات المشتركة، خاصة في ما يتعلق بالقدرة الشرائية والتشغيل ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، غير أن مشاركتها تظل غير محسومة إلى حين صدور قرار رسمي.
لكن الوعود الانتخابية لا تمثل سوى جانب من التحديات التي ستواجه الحكومة؛ إذ ستجد نفسها أيضاً أمام مطالب نقابية واجتماعية تستدعي إدراجها بوضوح في برنامجها.
ويأتي الحوار الاجتماعي في مقدمة هذه الملفات، بعدما جددت المركزيات النقابية تأكيد ضرورة تحسين الأوضاع المادية والاجتماعية للأجراء والموظفين والمتقاعدين، والوفاء بالالتزامات السابقة، وإعطاء المفاوضات الاجتماعية طابعاً منتظماً وفعلياً، بدل اقتصارها على جولات لا تفضي دائماً إلى حلول للملفات العالقة.
كما تشمل المطالب مراجعة الأجور في القطاعين العام والخاص، وتحسين ظروف العمل، وتخفيف الضغط الضريبي على الأجور، ومراجعة بعض الاختلالات المرتبطة بالترقيات والأنظمة المهنية، إلى جانب حماية الحريات النقابية وتعزيز المفاوضة الجماعية.
وتبرز القدرة الشرائية في صدارة هذه المطالب، في ظل استمرار انشغال الأسر بارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار عدد من المواد والخدمات، وما يرافق ذلك من مطالب بتعزيز مراقبة الأسواق ومحاربة الممارسات الاحتكارية والمضاربات.
كما يفرض غلاء المحروقات، وما يمكن أن يترتب عنه من انعكاسات على النقل وكلفة الإنتاج وأسعار السلع، التفكير في إجراءات أكثر نجاعة لحماية المستهلك والحد من انتقال تكاليف الطاقة إلى باقي مكونات الحياة اليومية.
ومن ثم، فإن معالجة القدرة الشرائية لا يمكن أن تنحصر في زيادات ظرفية في الأجور أو الدعم، بل تستدعي تنسيقاً بين السياسات الاجتماعية والضريبية والتجارية، وتشجيع المنافسة، وضمان تموين الأسواق، مع مراعاة التوازنات المالية للدولة.
ولا تقل ملفات التقاعد أهمية عن هذه الأولويات، خصوصاً بالنسبة إلى المتقاعدين الذين يطالبون بتحسين معاشاتهم لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. ويضع هذا الوضع الحكومة المقبلة أمام ضرورة فتح نقاش اجتماعي مسؤول بشأن إصلاح أنظمة التقاعد، بما يشمل استدامتها المالية، وحماية حقوق المنخرطين، وضمان معاشات تصون كرامة المتقاعدين.
كما تتطلب المطالب المتعلقة برفع المعاشات الدنيا وتحسين معاشات ذوي الحقوق معالجة شاملة تراعي أوضاع مختلف الصناديق والفئات، وتجنب تحميل فئة واحدة كلفة الإصلاح. ويظل الحوار مع النقابات والهيئات المعنية أساسياً لبناء توافق حول الخيارات الممكنة، بدل تأجيل الملفات أو الاكتفاء بحلول جزئية.
أما الدعم الاجتماعي، فيمثل بدوره اختباراً لمدى قدرة الحكومة على الجمع بين توسيع الحماية الاجتماعية وضمان فعاليتها. فالمطلوب ليس فقط استمرار برامج الدعم، بل تحسين استهدافها، وتقييم أثرها على الأسر المستفيدة، ومدى مساهمتها في تخفيف الفقر والهشاشة ومواجهة ارتفاع النفقات الأساسية.
ويقتضي ذلك التنسيق بين الدعم المباشر وسياسات التشغيل والأجور والخدمات العمومية، حتى لا يصبح الدعم بديلاً عن تحسين الدخل أو عن توفير تعليم وصحة وخدمات ذات جودة. كما أن تحقيق العدالة الاجتماعية يقتضي الانتباه إلى الفئات التي لا تستفيد بالقدر نفسه من فرص العمل أو الحماية الاجتماعية، بما فيها المتقاعدون والأجراء ذوو الدخل المحدود.
وتفرض هذه الملفات على مكونات الأغلبية المرتقبة الانتقال من جمع البرامج الحزبية إلى بلورة التزامات حكومية مشتركة، تتضمن أولويات اجتماعية واضحة، وجدولاً زمنياً للحوار الاجتماعي، وآليات لتتبع تنفيذ الاتفاقات السابقة والجديدة. فخلق فرص الشغل يحتاج إلى الاستثمار والتكوين وربط المؤهلات بحاجيات سوق العمل، وتحسين الأجور ينبغي أن يواكبه دعم الإنتاجية وحماية المقاولات وفرص التشغيل، بينما يتطلب إصلاح التقاعد معالجة متوازنة بين الاستدامة المالية والإنصاف الاجتماعي. وبالمثل، فإن تحسين الخدمات الصحية والتعليمية يستدعي موارد كافية وحكامة فعالة وتقييماً مستمراً للنتائج.
وتكتسب هذه الرهانات أهمية إضافية في ضوء نسبة المشاركة في انتخابات 23 شتنبر، التي بلغت 38.08 في المائة، مقابل 50.86 في المائة سنة 2021 و42.27 في المائة سنة 2016، وفق الأرقام المعلنة رسمياً. ولا تكفي هذه النسب وحدها لتفسير أسباب تراجع المشاركة، لكنها تبرز أهمية ربط العمل الحكومي بنتائج ملموسة، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات عبر الاستجابة لانشغالاتهم اليومية، وفي مقدمتها الشغل والدخل والأسعار وجودة الخدمات والحماية الاجتماعية.
في المحصلة، تدخل مشاورات تشكيل الحكومة مرحلة تتداخل فيها رهانات توزيع الحقائب مع أسئلة أوسع بشأن مضمون الولاية الحكومية المقبلة. فالتوجيهات الملكية السامية ترسم أولويات التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والمجالية، والبرامج الانتخابية تتضمن تعهدات يتعين اختبار قابليتها للتنفيذ، فيما تنتظر النقابات والأجراء والموظفون والمتقاعدون حلولاً لملفات الأجور والقدرة الشرائية والتقاعد والحوار الاجتماعي.
وسيكون نجاح حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مرتبطاً بقدرتها على الجمع بين هذه المسارات ضمن برنامج منسجم، يحول التوافقات السياسية إلى إجراءات قابلة للقياس، ويجعل أثر السياسات العمومية محسوساً في حياة المواطنين بمختلف جهات المملكة.



