حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

.


.. والحكم الذاتي يرسخ حضوره في المعادلة الأوروبية

تواصل بروكسل الدفع في اتجاه تغليب منطق التهدئة والحل السياسي في ملف الصحراء المغربية، في وقت تعرف فيه المنطقة تحولات دبلوماسية متسارعة وتزايدا في الدعوات إلى تجنب أي خطوات من شأنها إعادة التوتر إلى الواجهة وتهديد الاستقرار الإقليمي. ويأتي هذا التوجه في سياق تطور لافت في المواقف الأوروبية، بعدما بات مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب يحظى بمساندة متزايدة داخل القارة الأوروبية باعتباره أرضية جدية وواقعية للتوصل إلى تسوية سياسية دائمة.
ويعكس الموقف البلجيكي بدوره هذا التحول، من خلال التعامل مع مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساسا جديا وواقعيا وذا مصداقية للتوصل إلى حل سياسي، في مؤشر على انتقال الملف داخل عدد من العواصم الأوروبية من منطق التحفظ التقليدي إلى مقاربة أكثر واقعية تأخذ بعين الاعتبار التحولات السياسية والأمنية التي تعرفها المنطقة.
ومن هذا المنطلق، تبدو بروكسل حريصة على تفادي أي سيناريو للتصعيد في الصحراء، بالنظر إلى التداعيات التي يمكن أن يخلفها أي توتر إضافي على منطقة المغرب الكبير والساحل، خصوصا في ظل التحديات الأمنية والهجرة غير النظامية وشبكات الجريمة العابرة للحدود والرهانات المرتبطة بالطاقة والتجارة والاستثمار. وبالنسبة لأوروبا، لم يعد استقرار المنطقة مجرد ملف دبلوماسي بعيد، بل أصبح جزءا من حساباتها الاستراتيجية وأمنها المباشر.
ويعزز المغرب، في المقابل، حضوره داخل المعادلة الأوروبية باعتباره شريكا رئيسيا في ملفات الأمن والهجرة والاستثمار والطاقة والتعاون الاقتصادي، وهو ما يمنح العلاقات المغربية الأوروبية أبعادا تتجاوز الخلافات الظرفية. كما أن اتساع دائرة المواقف الأوروبية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي يضع ملف الصحراء أمام واقع دبلوماسي جديد، عنوانه البحث عن حل سياسي واقعي وقابل للتطبيق بدل استمرار النزاع دون أفق واضح.
وتدرك بروكسل أن العودة إلى لغة المواجهة لن تخدم مصالح المنطقة ولا المصالح الأوروبية، وأن استمرار التوتر ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الصحراء لتصل إلى الضفة الشمالية للمتوسط. لذلك يبرز الخيار الدبلوماسي اليوم باعتباره المسار الأكثر قدرة على حماية الاستقرار وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي.
الرسالة السياسية التي تتشكل من قلب أوروبا تبدو أكثر وضوحا من السابق: لا مصلحة في إشعال بؤرة توتر جديدة جنوب المتوسط، ولا بديل عن مسار سياسي جدي وواقعي يحفظ الاستقرار ويجنب المنطقة المزيد من الأزمات. وفي قلب هذه المعادلة، تواصل مبادرة الحكم الذاتي المغربية تعزيز حضورها داخل النقاش الأوروبي، فيما تتحول قضية الصحراء إلى اختبار حقيقي لقدرة الدبلوماسية على إنتاج تسوية سياسية مستدامة وإغلاق أبواب التصعيد.