حجم الخط + -
6 دقائق للقراءة

رسم صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في الخطاب السامي الذي وجهه، اليوم الجمعة، إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، معالم المرحلة السياسية والتنموية المقبلة، واضعاً أمام الحكومة والبرلمان رهانات تتجاوز مواصلة المشاريع القائمة إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، وتعزيز السيادة الاقتصادية، وتسريع الإصلاحات الترابية، ووضع الشباب في صلب السياسات العمومية، إلى جانب إعادة صياغة التعاون الدولي في مجال الهجرة على أسس استراتيجية أكثر توازناً.

وأكد جلالة الملك، الذي كان مرفوقاً بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي أحمد، أن الولاية التشريعية والحكومية الجديدة تنطلق في سياق استثنائي، يتيح فرصاً مهمة لمواصلة مسار التنمية، مشدداً على ضرورة تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية.

وقال جلالته: “وإننا ننتظر أن تشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة، منعطفا حقيقيا لمواصلة طموح المغرب، كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، في توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية”.

ويضع هذا التوجه المؤسسات المنتخبة والتنفيذية أمام مسؤولية ترجمة الإمكانات المتاحة إلى نتائج ملموسة، من خلال سياسات تستجيب لحاجيات المواطنين، وتضمن توزيعاً أكثر إنصافاً لثمار التنمية بين مختلف مناطق المملكة.

الاعتزاز بالهوية الوطنية مدخل لتحمل المسؤولية:

واستهل جلالة الملك تأطير رؤيته للمرحلة المقبلة بالتأكيد على عمق الارتباط بالوطن، مستحضراً ما سبق أن عبر عنه من اعتزاز بالمغربية، ومبرزاً أن هذا الشعور يزداد رسوخاً مع مرور السنوات.

وقال جلالته: “لقد قلت من هذا المنبر، سنة 2014 : ” إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي” … وهو نفس الإحساس اليوم، ولا تزيده السنوات إلا قوة ورسوخا”.

واعتبر جلالة الملك أن المغرب يستمد قوته من امتداده التاريخي ومؤسساته العريقة وهويته المتعددة الروافد، مؤكداً أن الاعتزاز الوطني لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد تعبير عن الرضا، بل يتعين أن يكون دافعاً إلى تحمل المسؤولية والوفاء بالواجبات.

وفي هذا السياق، قال جلالته: “فالمغرب أمة من أعرق الأمم في العالم، تحت راية ملكية عريقة، من أقدم الملكيات في التاريخ. ومن حق المغاربة أن يعتزوا بهويتنا الدينية الأصيلة، في ظل إمارة المؤمنين، وبالهوية الحضارية المتميزة، الغنية بتعدد مكوناتها.
ونعتز أيضا بما حققناه من مكاسب سياسية ودبلوماسية، ومن إنجازات تنموية واقتصادية واجتماعية، غيرت وجه المغرب.
إن الاعتزاز بالوطن هنا، ليس من أجل التباهي، والتعبير عن الرضى عن النفس؛ بل هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني.”

ويحمل هذا التصور دعوة واضحة إلى ربط الثقة في المؤسسات بالعمل والإنجاز، وتحويل المكتسبات الوطنية إلى قاعدة لمزيد من الإصلاح والتقدم.

جيل جديد من الاستراتيجيات لتعزيز السيادة الاقتصادية:

وفي الشق الاقتصادي، دعا جلالة الملك إلى الانتقال نحو مرحلة جديدة من التخطيط الاستراتيجي، تأخذ بعين الاعتبار التحولات الجيو-اقتصادية الدولية، وتستجيب للحاجيات المتزايدة للمملكة في المجالات الحيوية.

وبعد التأكيد على مواصلة تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، شدد جلالته على ضرورة إطلاق استراتيجيات كبرى جديدة تشمل الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي.

وقال جلالته: “واليوم، إضافة إلى تسريع المشاريع المبرمجة، في البنيات التحتية، يتعين إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، لاسيما في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي”.

كما أعاد جلالة الملك التأكيد على أهمية بناء قدرات وطنية في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وضمان استمرارية تزويد السوق بالمواد الأساسية، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التقلبات الخارجية والاضطرابات التي قد تطال سلاسل الإمداد.

وفي هذا الإطار، قال جلالته: “كما ندعو من جديد، إلى التعجيل بتطوير قدرات المملكة، في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية”.

وتبرز هذه الأولويات توجهاً نحو تقوية الاستقلالية الاقتصادية للمملكة، من خلال تأمين الحاجيات الأساسية، وتوسيع قاعدة الإنتاج الوطني، والاستثمار في قطاعات تحمل فرصاً جديدة للنمو والتنافسية.

القطاع الخاص والشباب في صلب التحول التنموي:

ولم يحصر الخطاب الملكي مسؤولية تحقيق التحول الاقتصادي في المؤسسات العمومية، بل دعا القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء بدوره داخل المنظومة التنموية، من خلال تعزيز المبادرة والابتكار، وتوسيع الاستثمار والتصدير، والمساهمة بصورة أكبر في خلق فرص الشغل.

وقال جلالة الملك: “وفي هذا السياق، نهيب بالقطاع الخاص الوطني، للارتقاء إلى فاعل استراتيجي، في التحول التنموي ببلادنا، وأن يكون أكثر مبادرة وابتكارا، وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل، وعلى الاستثمار والتصدير”.

ويضع هذا التوجه المقاولة الوطنية أمام دور يتجاوز النشاط الاقتصادي التقليدي، لتصبح شريكاً أساسياً في بناء الثروة، وتحفيز التشغيل، وتعزيز قدرة الاقتصاد المغربي على المنافسة في الأسواق الدولية.

وبموازاة ذلك، شدد جلالة الملك على ضرورة جعل قضايا الشباب في مقدمة اهتمامات السياسات العمومية وهيئات الحكامة، من خلال تصور متكامل يجمع بين التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي، ويضمن تكافؤ الفرص.

وأكد جلالته أن الغاية تتمثل في تعزيز ثقة الشباب في إمكاناتهم وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص المتاحة أمامهم لبناء مستقبل يقوم على الحرية والكرامة والاستقرار.

وقال جلالته: “كما يتعين وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال وضع تصور متكامل، يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.
وذلك بما يعزز الثقة في قدرتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم، لبناء مستقبل أفضل، في ظل الحرية والكرامة والاستقرار” .

وتعكس هذه الدعوة مركزية الرأسمال البشري في النموذج التنموي المنشود، باعتباره أساساً لتوسيع المشاركة الاقتصادية والاجتماعية، وتقليص الفوارق، وتعزيز الثقة بين الشباب والمؤسسات.

التنمية الترابية رهينة بإنهاء اختلالات اللاتمركز:

وخصص جلالة الملك حيزاً مهماً من خطابه لإشكالية التنمية الترابية، مؤكداً أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يكمن في الانتقال من التدبير المركزي إلى العمل الميداني القائم على تشخيص الحاجيات الفعلية لكل منطقة، وإيجاد حلول عملية للمشكلات المطروحة.

وقال جلالته: “إن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة، هو العمل الميداني، على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها”.

وربط جلالة الملك بين النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، وبين استكمال ورش الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري، باعتبارهما مدخلين أساسيين لتقريب القرار من المواطنين وتسريع تنفيذ المشاريع.

وفي هذا الصدد، نبه جلالته إلى أن استمرار التأخير والاختلالات التي تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري ينعكس سلباً على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويحد من قدرة المؤسسات على الاستجابة لانشغالات المواطنين.

وأكد جلالته بوضوح: “لذا، نشدد على أنه لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل، في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يقتضيه من نقل للصلاحيات، والموارد البشرية والمالية الضرورية، من المركز إلى الأقاليم والجهات”.

كما دعا إلى تجاوز العراقيل التي تحد من فعالية مؤسسات الجهة، من خلال توضيح الاختصاصات وتعزيز الموارد البشرية والمادية، وإرساء آليات أكثر فعالية للتنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات.

وقال جلالته: “فقد أصبح من الضروري تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد، لتمكين الجهات، من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع”.

وتحمل هذه التوجيهات دعوة إلى مراجعة أساليب التدبير الترابي، بما يضمن وضوح المسؤوليات، وتوفير الإمكانات اللازمة للمؤسسات الجهوية، وربط الاختصاصات بالموارد والقدرة على الإنجاز، حتى لا تتحول المشاريع التنموية إلى برامج مؤجلة بفعل التعقيدات الإدارية.

حو مراجعة استراتيجية للتعاون في مجال الهجرة:

وعلى مستوى العلاقات الخارجية، توقف الخطاب الملكي عند مكانة المغرب كشريك دولي مسؤول وموثوق، مع التأكيد على ضرورة أن تقوم الشراكات على الاحترام المتبادل والوفاء بالالتزامات.

واعتبر جلالة الملك أن المقاربة المغربية في تدبير الهجرة حققت نتائج ملموسة، غير أن الأزمات المتكررة كشفت، بحسب الخطاب، محدودية النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال، والحاجة إلى تطويره بما يستجيب للتحولات والتحديات القائمة.

وقال جلالته: “لقد تمكنت المملكة من ترسيخ مكانتها، على الصعيد الدولي، كشريك مسؤول وموثوق، يحرص على تنفيذ التزاماته، وينتظر من شركائه نفس التعامل.
وقد أسفرت المقاربة المتوازنة، التي اعتمدتها بلادنا في تدبير ظاهرة الهجرة، عن نتائج ملموسة. لكن، يجب أن نعترف، بكل شجاعة وموضوعية، بأن النموذج الحالي للتعاون، في هذا المجال أصبح متجاوزا، والأزمات المتكررة خير شاهد على ذلك”,

وتطرق جلالة الملك إلى الشراكة مع إسبانيا، مشيراً إلى التطورات التي عرفتها في مجالات متعددة، بما فيها محاربة الهجرة غير الشرعية، لكنه سجل وجود تحديات قانونية وقضائية تعرقل، وفق ما ورد في الخطاب، عمليات ترحيل بعض القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، بما يتيح المجال أمام استغلال شبكات إجرامية لهذه الوضعية.

وفي مواجهة ما وصفه الخطاب بالتصريحات اللامسؤولة ومحاولات الضغط السياسي والإعلامي، أكد جلالة الملك أن الشراكة الدولية ينبغي أن تظل قائمة على الاختيار السيادي والالتزام الإرادي، بعيداً عن التهديد والابتزاز.

وقال جلالته: “وأمام التصريحات اللامسؤولة، والاستغلال المفضوح لبعض الأوساط السياسية والإعلامية، نقول بأن الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز”.

وفي خطوة تروم إعطاء هذا التوجه بعداً عملياً، أعلن جلالة الملك أن المغرب سيقدم إلى شركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد في مجال التعاون، يقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

وأكد جلالته: “وفي هذا الإطار، سيقدم المغرب لشركائه، وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية، واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد، يعزز التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي”.

ويؤشر هذا التوجه إلى رغبة المغرب في تطوير إطار التعاون الدولي في مجال الهجرة، بما يراعي المصالح الوطنية ويعزز المسؤولية المشتركة، ويمنح الشراكات بعداً تنموياً واقتصادياً يتجاوز المعالجة الأمنية والظرفية للملف.

رسالة إلى البرلمان بشأن المسؤولية والمساءلة:

وفي ختام خطابه، وجه جلالة الملك رسالة مباشرة إلى أعضاء البرلمان، مذكراً بأن الانتداب البرلماني ليس مجرد موقع سياسي، بل التزام تجاه المواطنين وتعاقد أخلاقي تترتب عنه مسؤوليات وطنية.

وقال جلالته: “كما تعلمون، فالانتداب البرلماني هو التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي، يربطكم بالمواطنين.
فكونوا رعاكم الله، في مستوى هذه المسؤولية الوطنية التي تتحملونها، أمام الله، وأمام المواطنين، وأمام التاريخ ؛ مصداقا لقوله تعالى : “من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها”. صدق اللّٰه العظيم”.

وتضع هذه الرسالة العمل البرلماني أمام اختبار الوفاء لثقة الناخبين، من خلال ممارسة المسؤولية التشريعية والرقابية بما ينسجم مع انتظارات المواطنين، ويساهم في مواكبة الأوراش الاقتصادية والاجتماعية والترابية التي حدد الخطاب الملكي أولوياتها.

وبذلك، رسم الخطاب السامي ملامح مرحلة جديدة تتقاطع فيها رهانات السيادة الاقتصادية مع إصلاح الإدارة الترابية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وإدماج الشباب، وتطوير الشراكات الدولية.

وهي أولويات تجعل معيار النجاح في الولاية التشريعية والحكومية الجديدة مرتبطاً بمدى القدرة على تحويل التوجيهات إلى سياسات قابلة للتنفيذ ونتائج ملموسة في حياة المواطنين.