لم تعد الانتخابات في المغرب مجرد موعد دستوري يتكرر كل خمس سنوات، بل أصبحت محطة يضع فيها المواطن الطبقة السياسية أمام امتحان جديد. ومع اقتراب استحقاقات شتنبر، يعود السؤال الذي يرافق كل موسم انتخابي: هل ستنجح النخب السياسية هذه المرة في استعادة ثقة المغاربة، أم أن الفجوة بين الخطاب والواقع ستتسع أكثر؟
خلال العقدين الأخيرين، شهد المغرب تحولات كبرى على مختلف المستويات. فقد أطلق أوراشاً استراتيجية غيرت ملامح الاقتصاد الوطني، من تعميم الحماية الاجتماعية، إلى تطوير البنيات التحتية، وتعزيز جاذبية الاستثمار، وصولاً إلى الاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030، وهي مشاريع تعكس رؤية بعيدة المدى لمستقبل المملكة.
غير أن نجاح هذه الأوراش لا يتوقف على الإمكانات المالية أو جودة التخطيط فقط، بل يحتاج إلى نخب سياسية وإدارية قادرة على تحويل الرؤية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
ورغم أن المؤشرات الاقتصادية سجلت تقدماً في عدد من القطاعات، فإن شريحة واسعة من المغاربة لا تزال تتساءل عن أثر هذا النمو على واقعها المعيشي. فالبطالة، خاصة في صفوف الشباب، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتفاوت جودة الخدمات العمومية، تجعل المواطن أكثر مطالبة بحلول عملية من أي وقت مضى.
ولعل أكبر تحد تواجهه الأحزاب اليوم ليس الفوز بالأصوات، بل إقناع المواطن بأن السياسة ما تزال قادرة على إنتاج حلول. فالمغاربة أصبحوا أكثر اطلاعاً وأكثر قدرة على التمييز بين البرنامج الواقعي والشعار الانتخابي، وبين المسؤول الذي يشتغل طوال الولاية، وذلك الذي لا يظهر إلا مع اقتراب موعد الاقتراع.
لقد تغير الناخب المغربي. فوسائل التواصل الاجتماعي، والانفتاح على التجارب الدولية، وسرعة تداول المعلومات، كلها عوامل جعلت المواطن أكثر وعياً وأكثر تطلباً. لذلك لم يعد الخطاب العاطفي أو الوعود الفضفاضة كافياً لحشد التأييد، بل أصبح معيار التقييم هو الحصيلة، والكفاءة، والقدرة على الإنجاز.
وفي المقابل، تواجه الأحزاب السياسية تحدياً داخلياً لا يقل أهمية، يتمثل في تجديد نخبها وإفساح المجال أمام الكفاءات والشباب والنساء، وتقديم مرشحين يمتلكون المعرفة والخبرة والقدرة على تدبير الشأن العام، بعيداً عن منطق الولاءات أو الحسابات الانتخابية الضيقة.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب خطاباً سياسياً مسؤولاً، يبتعد عن الشعبوية والمزايدات، ويرتكز على الصراحة مع المواطنين. فالتنمية لها كلفة، والإصلاحات تحتاج إلى وقت، لكن المواطن من حقه أن يعرف أين تتجه السياسات العمومية، وما هي الأولويات، وكيف سيتم تقييم النتائج.
ويبقى الرهان الأكبر هو استعادة الثقة. فالثقة لا تُبنى بالحملات الانتخابية، وإنما بالممارسة اليومية، وبالشفافية، وبالوفاء بالالتزامات، وبربط المسؤولية بالمحاسبة. وهي عناصر تشكل اليوم أساس أي علاقة سليمة بين المواطن والمؤسسات.
ومع اقتراب شتنبر، تبدو الرسالة التي يبعث بها الشارع المغربي واضحة: لم يعد المطلوب منتخبون يجيدون إدارة الحملات الانتخابية، بل مسؤولون يجيدون إدارة الملفات الكبرى، ويضعون المصلحة العامة فوق كل اعتبار، ويحولون البرامج إلى مشاريع، والوعود إلى إنجازات.
إن المغرب يقف اليوم أمام مرحلة دقيقة تتطلب تعبئة جماعية لمواصلة مسار التنمية وتعزيز مكانته الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، لا ينظر المواطن إلى الانتخابات باعتبارها غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لاختيار من يمتلك القدرة على مواكبة هذه الدينامية.
ففي النهاية، لن تُقاس قيمة انتخابات شتنبر بنسبة المشاركة فقط، ولا بعدد المقاعد التي ستحصل عليها الأحزاب، بل بمدى قدرتها على إفراز نخب سياسية تواكب طموحات المغاربة، وتكون في مستوى التحولات الكبرى التي تعرفها المملكة، وتجعل من الثقة بين المواطن والسياسة رصيداً يُبنى بالعمل والإنجاز، لا بالوعود والخطابات.



