حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

تشهد القارة الأوروبية تحولات متسارعة في عقيدتها الأمنية والدفاعية، مع ارتفاع مستوى التأهب في عدد من العواصم، وتعزيز القدرات العسكرية وحماية المنشآت الحساسة، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد المخاوف من الهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة والعمليات الهجينة المرتبطة بروسيا. وتبدو فرنسا في مقدمة الدول التي رفعت مستوى الحذر، بعدما جمع الرئيس إيمانويل ماكرون، يوم 18 شتنبر الجاري، في قصر الإليزيه، قادة الأحزاب الممثلة في البرلمان، في اجتماع مغلق خُصص لمناقشة تداعيات الوضع الدولي على أمن الفرنسيين وحياتهم اليومية. ولم يكن اللقاء سياسياً فقط، إذ شارك فيه مسؤولون من المديرية العامة للأمن الخارجي والمديرية العامة للأمن الداخلي والاستخبارات العسكرية والأمانة العامة للدفاع والأمن الوطني، إلى جانب مسؤول قطاع الطاقة، حيث قدموا تقييماً للحرب في أوكرانيا والتطورات الأمنية المحيطة بفرنسا وأوروبا. وبعد الاجتماع، تحدث ماكرون عن تصاعد ما وصفه بـ«التهديد الروسي الهجين» ضد فرنسا والأوروبيين، معلناً رفع مستوى اليقظة والعمل على إعداد خطة لحماية البنيات التحتية الحيوية والمواقع الأكثر حساسية التابعة للقاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية من مخاطر الهجمات بالطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية. وتأتي التحركات الفرنسية بالتوازي مع تنسيق وثيق مع بريطانيا في الملف الأوكراني والأمن الأوروبي، حيث استقبل رئيس الوزراء البريطاني الرئيس ماكرون في داونينغ ستريت يوم 3 شتنبر، وبحث الجانبان التعاون بشأن أوكرانيا، بما في ذلك الخطوات المتعلقة بصواريخ «سكالب» بعيدة المدى، إلى جانب عملهما داخل «تحالف الراغبين» الداعم لكييف. وتقود باريس ولندن جانباً مهماً من هذا التحرك الأوروبي، في وقت أصبح فيه التعاون العسكري بين القوتين النوويتين الأوروبيتين يحظى بأهمية متزايدة في النقاش حول مستقبل أمن القارة، خاصة مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وعدم ظهور مؤشرات حاسمة على قرب انتهائها. ولا تقتصر حالة الاستعداد على فرنسا وبريطانيا، إذ تعمل دول الاتحاد الأوروبي على رفع قدراتها العسكرية ضمن خطة «الجاهزية الدفاعية 2030»، التي تهدف إلى سد الثغرات في القدرات العسكرية وتسريع الاستثمارات الدفاعية وتعزيز قدرة الدول الأوروبية على التعامل مع الأزمات والنزاعات عالية الحدة. وتشمل المشاريع الأوروبية الرئيسية تطوير منظومة للدفاع ضد الطائرات المسيّرة، ومراقبة الجناح الشرقي، وإنشاء درع جوي أوروبي، إلى جانب تعزيز القدرات الفضائية، وهي مشاريع تكشف حجم التحول الذي طرأ على التفكير الدفاعي الأوروبي خلال السنوات الأخيرة. وتكتسي الجبهة الشرقية أهمية خاصة في هذه الاستراتيجية، حيث تتابع بولندا ودول البلطيق وفنلندا تطورات الحرب بقلق متزايد، بينما شدد المجلس الأوروبي على ضرورة حماية الحدود البرية والجوية والبحرية للاتحاد، خاصة بعد حوادث مرتبطة بانتهاك المجال الجوي لبعض الدول الأعضاء. ويتحرك حلف شمال الأطلسي بدوره ضمن استراتيجية تقوم على تعزيز الردع والدفاع الجماعي، خصوصاً على الجناح الشرقي، في وقت تواصل فيه الدول الأوروبية الاستثمار في الدفاع الجوي والذخائر والطائرات المسيّرة وأنظمة الإنذار المبكر والقدرات العسكرية بعيدة المدى. غير أن كل هذه الاستعدادات لا تعني بالضرورة أن أوروبا قررت الدخول في حرب مباشرة مع روسيا، أو أن مواجهة عسكرية شاملة أصبحت وشيكة. فالخطاب الرسمي الأوروبي يقدم رفع الجاهزية باعتباره وسيلة للردع ومنع توسع الحرب، وليس استعداداً لإطلاق مواجهة جديدة. وفي المقابل، تنظر موسكو منذ سنوات بانتقاد شديد إلى توسع القدرات العسكرية لحلف شمال الأطلسي وتعزيز وجوده قرب حدودها، بينما تعتبر الدول الأوروبية أن التحول الجاري في سياساتها الدفاعية جاء نتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا وتغير البيئة الأمنية في القارة. وما يميز المرحلة الحالية هو انتقال المخاوف الأوروبية من سيناريو الحرب التقليدية وحده إلى أخطار أكثر تعقيداً، تشمل الهجمات السيبرانية، والتدخلات الخارجية، والطائرات المسيّرة، وحملات التضليل، وأعمال التخريب المحتملة ضد شبكات الطاقة والنقل والاتصالات والمنشآت الاستراتيجية. ولهذا عادت إلى الواجهة داخل أوروبا ملفات ظلت لسنوات بعيدة نسبياً عن النقاش العام، مثل مخزونات الذخيرة، وقدرة الصناعات العسكرية على زيادة الإنتاج، والدفاع المدني، وحماية المنشآت الحيوية، وتحريك القوات والمعدات بسرعة بين الدول الأوروبية. وبين رفع الجاهزية العسكرية ومحاولات الحفاظ على الردع، تدخل أوروبا مرحلة أمنية مختلفة عما عرفته خلال العقود التي أعقبت الحرب الباردة. فالقارة لا تعلن أنها تتجه نحو حرب حتمية مع روسيا، لكنها تتصرف بصورة متزايدة على أساس أن احتمال مواجهة أمنية طويلة الأمد لم يعد سيناريو يمكن تجاهله. ويبقى السؤال المطروح داخل العواصم الأوروبية: هل ستنجح هذه الاستعدادات في تعزيز الردع ومنع توسع الصراع، أم أن استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد العمليات الهجينة سيقودان أوروبا وروسيا إلى مستويات أخطر من المواجهة؟ المؤكد حتى الآن أن أوروبا ترفع جاهزيتها، بينما يظل تفادي الصدام العسكري المباشر أحد أهم رهانات المرحلة المقبلة.