حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

لم يعد دور المقاولة الحديثة يقتصر على تحقيق الأرباح، بل أصبح يقاس أيضاً بمدى مساهمتها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وفي المغرب، تبرز مجموعة كوسومار كنموذج لمؤسسة صناعية استطاعت أن تربط نجاحها الاقتصادي بمواكبة آلاف الفلاحين، من خلال بناء منظومة متكاملة لإنتاج السكر تعتمد على الشراكة أكثر من العلاقة التجارية التقليدية.

ويكتسي هذا الدور أهمية خاصة في سياق وطني يتسم بتوالي سنوات الجفاف، وضغط التغيرات المناخية، وارتفاع كلفة الإنتاج، وهي تحديات جعلت الفلاح المغربي في حاجة إلى دعم تقني ومالي مستمر للحفاظ على مردودية ضيعته وضمان استدامة نشاطه.

من مشتري للمحصول إلى شريك في الإنتاج

اعتمدت كوسومار منذ سنوات نموذجاً يقوم على مواكبة الفلاح منذ بداية الموسم الفلاحي، وليس فقط عند مرحلة تسويق المحصول. فالشركة توفر التأطير التقني، وتواكب عمليات الزرع، وتقدم الإرشادات المتعلقة بالسقي والتسميد ومكافحة الأمراض، بما يساهم في تحسين جودة الإنتاج ورفع المردودية.

هذا النموذج جعل العلاقة بين الشركة والفلاح قائمة على تبادل المصالح، حيث تستفيد الشركة من محصول ذي جودة عالية، بينما يستفيد الفلاح من الخبرة التقنية والاستقرار في تسويق إنتاجه.

الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية

أصبحت الرقمنة والزراعة الذكية جزءاً من استراتيجية تطوير القطاع. فقد ساهم إدخال تقنيات حديثة في تتبع المحاصيل وتحسين تدبير المياه واعتماد وسائل أكثر دقة في المراقبة والإنتاج، وهو ما يساعد الفلاحين على اتخاذ قرارات مبنية على المعطيات الميدانية، والرفع من الإنتاجية مع ترشيد استعمال الموارد.

وتكتسي هذه المقاربة أهمية متزايدة في ظل الإجهاد المائي الذي يعرفه المغرب، حيث أصبح تحسين كل متر مكعب من المياه المستعملة في الري أولوية وطنية.

دعم الفلاح في مواجهة التغيرات المناخية

لا يواجه الفلاح المغربي اليوم تحديات السوق فقط، بل يواجه أيضاً تقلبات مناخية متزايدة تؤثر بشكل مباشر على الإنتاج. وفي هذا السياق، يبرز دور المواكبة التقنية في اختيار الأصناف الملائمة، واعتماد أساليب زراعية أكثر مقاومة للجفاف، وتحسين كفاءة أنظمة الري.

ويؤكد مختصون أن استمرار مثل هذه المبادرات من شأنه أن يعزز صمود القطاع الفلاحي أمام التغيرات المناخية، ويضمن استقرار دخل آلاف الأسر القروية.

أثر اقتصادي واجتماعي يتجاوز إنتاج السكر

تمتد مساهمة كوسومار إلى تنشيط الاقتصاد القروي، من خلال خلق فرص الشغل الموسمية والدائمة، ودعم سلاسل الإنتاج والخدمات المرتبطة بالقطاع، بما ينعكس على الحركة الاقتصادية في عدد من المناطق الفلاحية.

كما تساهم هذه المنظومة في تقليص الاعتماد على الواردات، ودعم الأمن الغذائي الوطني، عبر تعزيز الإنتاج المحلي من النباتات السكرية.

مسؤولية اجتماعية تتطلب استمرارية

ورغم أهمية ما تحقق، فإن المرحلة المقبلة تفرض مواصلة الاستثمار في الابتكار، وتوسيع برامج التكوين لفائدة الفلاحين، وتعزيز استخدام التقنيات الحديثة، بما يضمن رفع الإنتاجية وتحسين الدخل مع الحفاظ على الموارد الطبيعية.

كما تبقى الحاجة قائمة إلى تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، ومؤسسات البحث العلمي، لتطوير حلول مبتكرة تستجيب للتحديات المناخية والاقتصادية التي يعرفها القطاع الفلاحي.

خاتمة

في ظل التحولات التي يشهدها القطاع الفلاحي المغربي، لم تعد مواكبة الفلاح خياراً، بل أصبحت ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة والأمن الغذائي. ويبرز نموذج كوسومار باعتباره تجربة تقوم على الشراكة مع المنتجين، من خلال توفير التأطير التقني، وتشجيع الابتكار، ودعم استدامة الإنتاج.

ويبقى نجاح هذه التجربة مرتبطاً بقدرتها على مواصلة الاستثمار في العنصر البشري والتكنولوجيا، بما يعزز تنافسية الفلاحة المغربية ويحسن أوضاع الفلاحين، ويجعل من التنمية القروية رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي والاجتماعي في المملكة