حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

أكد أحمد رحو، رئيس مجلس المنافسة، أن تعميم التغطية الصحية بالمغرب يفرض إعادة النظر في نموذج تمويل وتنظيم المنظومة الصحية، بالنظر إلى التحولات التي سيحدثها في العلاقات بين مختلف المتدخلين، من مقدمي الخدمات الصحية والجهات المكلفة بالتغطية والتمويل، إلى شركات الأدوية وموزعيها والمستثمرين في القطاع الخاص.

وشدد رحو، خلال ندوة دولية نظمها مجلس المنافسة، الأربعاء 14 أكتوبر 2026، بقصر المؤتمرات في مراكش، حول موضوع «سياسة الصحة بالمغرب: المنافسة والتنظيم والحكامة في عصر التغطية الاجتماعية الشاملة»، على أن التحدي الأساسي يتمثل في ضمان استدامة المنظومة الصحية واستمراريتها المالية، مع تفادي بروز تفاوتات في الولوج إلى العلاج بين الفئات الاجتماعية، أو بين سكان المدن والمناطق القروية.

وأوضح رئيس مجلس المنافسة أن توسيع نطاق التغطية الصحية يستدعي تحقيق التوازن بين جودة الخدمات العلاجية وتكلفتها وقدرة النظام على تمويلها، بما يضمن استمرارية الإصلاح وعدم اقتصاره على توسيع دائرة المستفيدين، دون توفير الشروط الضرورية لتلبية حاجياتهم الصحية.

ويطرح هذا التحول، بحسب المحاور التي تناولتها مداخلة رحو، تحديات جديدة على مستوى تنظيم العلاقات بين مختلف الفاعلين في القطاع، خاصة في ظل تداخل أدوار مقدمي الخدمات الصحية والجهات المكلفة بالتغطية والتمويل وشركات الأدوية والموزعين والمستثمرين، وهو ما يجعل الحكامة ووضوح قواعد التعامل من العناصر المهمة لضمان توازن المنظومة.

وفي هذا السياق، أبرز رحو أن اعتماد المغرب على القطاعين العام والخاص في تقديم الخدمات الصحية يجعل من تنظيم السوق وضمان المنافسة السليمة عنصرين أساسيين لإنجاح الإصلاح. وشدد على ضرورة تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين، وشفافية قواعد المنافسة، وتوفير الظروف الملائمة لجذب الاستثمارات، مع تفادي الممارسات الاحتكارية والاختلالات التي يمكن أن تؤثر في توازن السوق.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في سياق توسيع التغطية الصحية، بالنظر إلى ما يرافقه من تحولات في الطلب على الخدمات العلاجية والأدوية والتجهيزات الطبية، وما يفرضه ذلك من ضرورة ضمان بيئة تنافسية تتيح تطوير العرض الصحي وتحسين جودة الخدمات، دون الإضرار بمصالح المستفيدين.

ولم يقتصر النقاش على الجوانب المالية والتنظيمية، بل امتد إلى الموارد البشرية باعتبارها أحد الشروط الأساسية لتطوير المنظومة الصحية. وفي هذا الإطار، دعا رئيس مجلس المنافسة إلى تعزيز التكامل بين القطاعين العام والخاص في مجال التكوين الطبي، وتوسيع العرض الصحي على المستوى الترابي، بما يساهم في الحد من تمركز الأطباء والتجهيزات الطبية في المناطق الأكثر غنى وجاذبية.

ويعكس هذا التوجه تحدياً يتجاوز توفير التمويل إلى ضمان وجود خدمات صحية فعلية في مختلف مناطق المملكة، إذ إن تعميم التغطية الصحية لا يحقق أهدافه كاملة إذا استمرت الفوارق في توزيع الأطباء والتخصصات والتجهيزات بين المدن والمناطق القروية، أو بين المجالات الأكثر استقطاباً للاستثمار والمناطق التي تعاني نقصاً في العرض الصحي.

كما تطرق رحو إلى الإمكانات التي يتيحها التحول الرقمي لتطوير الخدمات الصحية، مؤكداً أهمية توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطب عن بعد لتوسيع استفادة المواطنين من العلاج، وتمكينهم من الوصول إلى التخصصات الطبية بمختلف مناطق المملكة.

واعتبر أن مستقبل الطب لا يرتبط فقط بنقل الطبيب إلى المريض، بل يشمل أيضاً إيصال الخدمات الطبية إلى المواطنين أينما وجدوا، بما يجعل الحلول الرقمية إحدى الوسائل الممكنة لتجاوز بعض العوائق الجغرافية التي تحد من الولوج إلى الرعاية الصحية.

ويفتح هذا التوجه المجال أمام تطوير أنماط جديدة لتقديم الخدمات العلاجية، خصوصاً في المناطق التي تواجه صعوبات في استقطاب الأطباء المتخصصين، شريطة أن يتم توظيف التكنولوجيا ضمن منظومة منظمة تضمن جودة الخدمات وفعاليتها، وتستجيب للحاجيات الفعلية للمواطنين.

وتجمع المحاور التي تناولها رئيس مجلس المنافسة بين رهانات متكاملة، تشمل استدامة التمويل، وتنظيم السوق، وضمان تكافؤ المنافسة، وتطوير الموارد البشرية، وتحقيق توزيع أكثر توازناً للعرض الصحي، إلى جانب الاستفادة من التكنولوجيا لتوسيع نطاق الخدمات.

وأكد رحو، في هذا السياق، أن إنجاح ورش تعميم التغطية الصحية يقتضي تنسيق جهود مختلف المتدخلين، وضمان استدامة التمويل، وتوسيع العرض الصحي، وترسيخ المساواة في الولوج إلى العلاج، مع الحفاظ على منافسة سليمة تساهم في تحسين جودة الخدمات وحماية مصالح المستفيدين.

ويعيد هذا النقاش تسليط الضوء على التحدي الذي يواجه إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب، والمتمثل في الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى ضمان الاستفادة الفعلية من العلاج، من خلال توفير موارد مالية مستدامة، وخدمات ذات جودة، وموارد بشرية كافية، وقواعد تنظيمية تحمي المنافسة وتحد من الاختلالات.