حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

جهة طنجة–تطوان–الحسيمة.. قطب اقتصادي واستثماري


يتجه نحو مزيد من التنافسي

تواصل جهة طنجة–تطوان–الحسيمة ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز الأقطاب الاقتصادية والاستثمارية بالمغرب، مستفيدة من موقع جغرافي استراتيجي يجعلها بوابة للمملكة نحو أوروبا وإفريقيا، ومنظومة متكاملة من البنيات التحتية والمناطق الصناعية واللوجستية، إلى جانب مؤهلات سياحية وفلاحية وبحرية وطاقية متنوعة. وتؤكد المعطيات المنشورة من طرف المركز الجهوي للاستثمار أن الجهة أصبحت اليوم فضاءً اقتصادياً متعدد القطاعات، يجمع بين الصناعة والتصدير واللوجستيك والسياحة والطاقات المتجددة والخدمات الرقمية والصناعات الغذائية والصيد البحري.

وتحتل الصناعة موقعاً محورياً في هذه الدينامية، إذ تُعد الجهة ثاني قطب صناعي على المستوى الوطني، وتساهم بنسبة 18.2 في المائة من الناتج الداخلي الخام الصناعي للمملكة، فيما بلغ رقم معاملاتها الصناعي 145.5 مليار درهم سنة 2022، مع صادرات صناعية بلغت نحو 97 مليار درهم. كما تحتضن الجهة 23 منطقة صناعية واقتصادية تمتد على حوالي 3900 هكتار، من بينها 2500 هكتار مخصصة لمناطق التسريع الصناعي، ما يوفر عرضاً عقارياً وبنيوياً مهماً أمام المستثمرين.

ويبرز قطاع السيارات بشكل خاص باعتباره أحد أهم محركات الاقتصاد الجهوي، حيث تتوفر المنطقة على أول منظومة وطنية لصناعة السيارات، مدعومة بشبكة من الشركات والموردين والبنيات اللوجستية والتكوينية. كما تطورت قطاعات أخرى ذات قيمة مضافة، من بينها الصناعات الجوية والإلكترونية والنسيج والصناعات الغذائية، وهو ما يعكس تنوع النسيج الصناعي وقدرته على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.

ويشكل مركب طنجة المتوسط أحد أبرز عناصر القوة الاقتصادية للجهة، بعدما جعل من شمال المملكة منصة لوجستية عالمية تربط المغرب بعشرات الأسواق الدولية. وتوفر المنظومة اللوجستية للجهة اتصالاً بحرياً واسعاً، إلى جانب شبكة الطرق والسكك الحديدية والقطار فائق السرعة، بما يعزز تنافسية المقاولات ويقلص آجال نقل البضائع نحو الأسواق الوطنية والدولية. وتشير معطيات المركز الجهوي للاستثمار إلى أن الجهة تستفيد من 186 اتصالاً بحرياً نحو 77 دولة، ما يعزز موقعها كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا وباقي الأسواق العالمية.

ولا تقتصر جاذبية الجهة على الصناعة واللوجستيك، بل تمتد إلى السياحة، مستفيدة من واجهتين بحريتين وساحل يمتد على 447 كيلومتراً، ومدن عتيقة ذات قيمة تاريخية وحضارية، إضافة إلى الشواطئ والمنتزهات الطبيعية والمنتجعات السياحية. وتساهم الجهة بحوالي 9.7 في المائة من الناتج الداخلي الخام السياحي الوطني، وتتوفر على مئات مؤسسات الإيواء السياحي المصنفة وطاقة استيعابية مهمة، ما يمنحها إمكانات كبيرة لتطوير السياحة الثقافية والبحرية والبيئية والرياضية.

وفي مجال الطاقات المتجددة، تمتلك الجهة مؤهلات مهمة تجعلها جزءاً من التحول الطاقي الذي يشهده المغرب، من خلال خمسة مشاريع للرياح ومشروع للطاقة الشمسية ومحطتين كهرومائيتين، بطاقة إجمالية مثبتة تناهز 450 ميغاواط وفق معطيات المركز الجهوي للاستثمار. وتمنح هذه المؤهلات المنطقة قدرة إضافية على استقطاب الاستثمارات الصناعية التي تبحث عن طاقة نظيفة وتقليص بصمتها الكربونية.

كما يبرز قطاع الخدمات الرقمية و«الأوفشورينغ» باعتباره من القطاعات الصاعدة في الجهة، خصوصاً مع وجود منصات متخصصة ومؤهلات بشرية شابة ومؤسسات للتكوين والهندسة. وتشمل المنظومة مجالات مراكز علاقات الزبناء، وخدمات الأعمال، وتكنولوجيا المعلومات، والخدمات الهندسية والمعرفية، ما يفتح آفاقاً أمام الاستثمارات المرتبطة بالتحول الرقمي والخدمات ذات القيمة المضافة.

وتشكل الفلاحة والصناعات الغذائية والصيد البحري بدورها رافعة مهمة للاقتصاد الجهوي، إذ تتوفر المنطقة على حوالي 730 ألف هكتار من المساحة الزراعية المستعملة، إلى جانب مؤهلات بحرية مهمة ومنظومة للصناعات الغذائية. ويكتسب قطاع الفواكه الحمراء أهمية خاصة، حيث تشير المعطيات إلى أن حوالي 80 في المائة من إنتاجها موجه للتصدير، بينما يمثل قطب اللوكوس الصناعي الفلاحي منصة مهمة لتثمين المنتجات الزراعية وتحويلها ورفع قيمتها المضافة.

وتتجه جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، في ظل هذه المؤهلات، نحو بناء نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً وتكاملاً، لا يعتمد فقط على استقطاب المشاريع الكبرى، وإنما يسعى أيضاً إلى تطوير منظومات محلية للمقاولات والمناولة والابتكار والتكوين. ويساعدها في ذلك توفر رأسمال بشري شاب ومؤسسات جامعية وتكوينية، من بينها جامعة عبد المالك السعدي وشبكة واسعة من مؤسسات التكوين المهني.

وتبرز مؤشرات الاستثمار المسجلة خلال السنوات الأخيرة استمرار جاذبية المنطقة للمستثمرين. فقد أشار المركز الجهوي للاستثمار إلى أن سنة 2025 شهدت دينامية استثمارية مهمة، في إطار جهود مواكبة حاملي المشاريع وتعزيز جاذبية مختلف أقاليم الجهة.

وبذلك، لا تبدو جهة طنجة–تطوان–الحسيمة مجرد منطقة صناعية أو لوجستية، بل فضاءً اقتصادياً متكاملاً يجمع بين الموقع الجغرافي، والبنية التحتية، والصناعة، والتصدير، والسياحة، والطاقة النظيفة، والاقتصاد الرقمي، والفلاحة والصيد البحري. ومع استمرار الاستثمار في البنيات التحتية والتكوين والابتكار، تبدو الجهة مؤهلة لمواصلة لعب دور محوري في تنافسية الاقتصاد المغربي وتعزيز حضور المملكة في سلاسل الإنتاج والتجارة العالمية.