في زمن تغيّرت فيه الوسائل وبقيت صناعة الأحلام قائمة، يبدو أن «جنة حسن الصباح» عادت بصورة جديدة. لا حدائق مخفية هذه المرة ولا أساطير تُروى داخل القلاع، بل هواتف ذكية وشبكات اجتماعية ومقاطع قصيرة ترسم أمام بعض الشباب صورة لأوروبا باعتبارها أرض المال والعمل والرفاه، حتى أصبح الوصول إليها بالنسبة إلى البعض حلماً يستحق المجازفة بكل شيء، وأحياناً بالحياة نفسها.
وبعيداً عن الجدل التاريخي بشأن الروايات المنسوبة إلى حسن الصباح و«الحشاشين»، فإن استحضار هذه الصورة هنا ليس سوى مجاز لفهم قدرة الوهم على التأثير في الإنسان. شباب يشاهدون يومياً سيارات فاخرة وشوارع منظمة وسفراً وأجوراً باليورو، لكنهم لا يشاهدون بالقدر نفسه الغربة وغلاء السكن والضرائب والعمل الشاق وصعوبات الإقامة والاندماج التي يعيشها جزء من المهاجرين.
لكن تحميل شبكات التواصل الاجتماعي المسؤولية وحدها سيكون أسهل طريقة للهروب من أصل المشكلة. السؤال الحقيقي هو: لماذا أصبح بعض شباب المغرب مستعدين للمخاطرة بحياتهم للوصول إلى أوروبا؟ ولماذا تحولت صور العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية إلى مشاهد مؤلمة تستوجب أكثر من مجرد بيانات وإجراءات ظرفية؟
ما وقع على أبواب سبتة ومليلية المحتلتين يجب ألا يمر كخبر عابر ينتهي بانتهاء الحدث. إنه جرس إنذار سياسي واجتماعي يستوجب فتح نقاش جدي حول المسؤولية والمحاسبة، لأن الشباب الذين يصلون إلى الحدود لم يظهروا فجأة، بل هم أبناء مدن وجماعات وأقاليم يفترض أن لها مجالس منتخبة وبرامج تنمية وميزانيات ومؤسسات ومسؤولين تعهدوا أمام المواطنين بتحسين أوضاعهم.
ومن هنا يصبح من المشروع مساءلة المنتخبين ورؤساء المجالس الجماعية، في المدن كما في العالم القروي، والبرلمانيين والمسؤولين الحكوميين والوزراء، كل حسب اختصاصاته وصلاحياته وحصيلته. ماذا تحقق للشباب؟ أين ذهبت الوعود الانتخابية؟ كم فرصة شغل أُحدثت؟ ماذا تحقق في التعليم والتكوين والثقافة والرياضة والاستثمار المحلي؟ وما مصير البرامج التي حملت عناوين كبيرة بينما لا يزال شباب يفكرون في اقتحام الحدود أو ركوب البحر؟
المحاسبة التي يحتاج إليها المغرب ليست تصفية حسابات سياسية ولا إصدار أحكام جماعية ضد كل من يمارس العمل العام، وإنما تطبيق فعلي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. من نجح يجب الاعتراف بنتائجه، ومن أخفق ينبغي أن يقدم حصيلته ويتحمل المسؤولية السياسية، ومن ثبت في حقه تبديد المال العام أو ارتكاب مخالفات فمكان مساءلته أمام المؤسسات الرقابية والقضاء، وفق القانون وضمانات المحاكمة العادلة.
كما أن العودة إلى الواجهة السياسية لا ينبغي أن تصبح حقاً مكتسباً لمن أخفق مراراً في تدبير الشأن العام. الانتخابات ليست باباً دائماً لإعادة تدوير الوجوه نفسها، والمناصب ليست ملكية خاصة. الكلمة في النهاية للمواطن عبر صناديق الاقتراع، وللقانون والمؤسسات المختصة عندما يتعلق الأمر بالمخالفات. لذلك فإن تجديد النخب وفتح المجال أمام الكفاءات والشباب أصبح ضرورة لإعادة الثقة إلى العمل السياسي.
لا يمكن أن نستمر في مطالبة الشباب بحب الوطن بينما لا نحاسب من وعدهم بالتنمية ولم يحققها. حب الوطن لا يكون بالشعارات وحدها، بل بإعطاء المواطن أسباباً تجعله متمسكاً بأرضه ومستقبله. وحين يشعر الشاب بأن المدرسة لا تمنحه ما يكفي، وأن سوق العمل مغلق أمامه، وأن الفرص لا توزع بعدالة، يصبح الهاتف المحمول نافذة يرى من خلالها «جنة» أخرى وراء البحر.
وهنا يطرح الإنفاق على المهرجانات والتظاهرات سؤال الأولويات. لسنا ضد الفن ولا الثقافة ولا الفرح، فالمغرب بلد عريق بثقافته وفنونه وتنوعه الحضاري، لكن الثقافة الحقيقية ينبغي أن تكون جزءاً من مشروع تنموي متكامل، لا بديلاً عن التنمية. لا معنى لأن تنطفئ منصة مهرجان بعد منتصف الليل ويعود الشاب في الصباح إلى البطالة واليأس وانتظار فرصة للهجرة.
الشباب يحتاجون إلى مسارح ومهرجانات، نعم، لكنهم يحتاجون أيضاً إلى مدارس جيدة ومراكز تكوين وملاعب ودور شباب وحاضنات للمقاولات وتمويل المشاريع وفرص الشغل. يحتاجون إلى مسؤول محلي يعرف مشاكل حيه وجماعته، وبرلماني يدافع عن مصالح المواطنين، ووزير يقاس نجاحه بالأرقام والنتائج وليس بعدد التصريحات والظهور الإعلامي.
المغرب دولة لها تاريخ ومؤسسات وثوابت راسخة، وهو بلد يقوده الملك محمد السادس ضمن نظام دستوري يحدد اختصاصات المؤسسات والمسؤوليات. والحفاظ على قوة الدولة وهيبتها يقتضي أيضاً أن تكون المؤسسات المنتخبة في مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقها، وأن يدرك كل مسؤول أن المنصب تكليف وخدمة للمواطن وليس امتيازاً دائماً.
كفى من العبث بالثقة السياسية. وكفى من الوعود التي تُرفع خلال الحملات ثم تختفي بعد إعلان النتائج. وكفى من التعامل مع الشباب باعتبارهم مجرد أرقام انتخابية أو جماهير تملأ ساحات المهرجانات. المطلوب اليوم سياسة تعيد للشباب الثقة في إمكانية النجاح داخل المغرب.
ما وقع قرب سبتة ومليلية يجب أن يتحول إلى لحظة مراجعة وطنية حقيقية. ليس الهدف البحث عن كبش فداء، وإنما معرفة أين أخفقت السياسات، ومن يتحمل مسؤولية ذلك، وكيف نصحح المسار. فالدول القوية لا تخاف من تقييم سياساتها، بل تجعل المحاسبة وسيلة لحماية مؤسساتها وتجديد نخبها.
إن أخطر خسارة يمكن أن يتعرض لها المغرب ليست مغادرة شاب واحد إلى أوروبا، فالهجرة القانونية ظاهرة طبيعية ويمكن أن تكون مصدر قوة للبلد، وإنما أن يكبر جيل كامل وهو مقتنع بأن مستقبله لا يوجد في وطنه. عندها تصبح «جنة حسن الصباح» الرقمية أقوى من كل الخطابات.
والمواجهة الحقيقية تبدأ من هنا: أن نصنع داخل المغرب أملاً أقوى من الصور القادمة من أوروبا، وأن تصبح الوظيفة والمشروع والكرامة والعدالة الاجتماعية أقرب إلى الشاب من قارب الهجرة. فالمغرب أكبر من الأشخاص والأحزاب والمناصب، وتاريخه ومستقبله لا يحتملان العبث. ومن يتولى مسؤولية تدبير شؤون المواطنين عليه أن يدرك قاعدة بسيطة: المسؤولية لها مدة، والوعود لها حساب، وصوت المواطن يجب أن تكون له قيمة، والمغرب يستحق نخبة تخدمه قبل أن تخدم نفسها.
حجم الخط
+
-
3 دقائق للقراءة



