حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

أعادت انتخابات 23 شتنبر 2026 ترتيب الخريطة السياسية والبرلمانية بالمغرب، بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً والاستقلال بـ65، فيما حل حزب العدالة والتنمية رابعاً بـ54 مقعداً.

وبهذه النتيجة، انتقل «البام» من موقع المشاركة في الحكومة إلى موقع الحزب الأول في الانتخابات، وأصبح في صلب المسار السياسي والدستوري الذي سيقود إلى تشكيل الحكومة المقبلة.

ولا يعني تصدر الانتخابات أن الحزب يملك أغلبية منفردة، إذ يحتاج إلى شركاء لتأمين الأغلبية البرلمانية. كما أن الفصل 47 من الدستور يجعل تعيين رئيس الحكومة من اختصاص الملك، من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب.

ومن هنا، فإن النقاش الذي بدأ مباشرة بعد إعلان النتائج لا يتعلق فقط بهوية الحزب الذي سيتصدر مشاورات تشكيل الحكومة، وإنما أيضاً بالشخصية التي يمكن أن تتولى قيادة السلطة التنفيذية من داخل «البام».

وفي هذا السياق، برزت ثلاثة أسماء بشكل خاص في النقاش السياسي والإعلامي: فاطمة الزهراء المنصوري، ومحمد المهدي بنسعيد، وفوزي لقجع. لكن من المهم التأكيد أن تداول هذه الأسماء لا يعني وجود ترشيح رسمي أو سباق معلن بينها،

وهو ما شددت عليه المنصوري نفسها، حين نفت وجود منافسة بينها وبين لقجع، مؤكدة أن الأولوية هي إنجاح المرحلة المقبلة، وأن قرار تعيين رئيس الحكومة يعود دستورياً إلى الملك.

فاطمة الزهراء المنصوري تدخل هذا النقاش من موقع قيادي مباشر داخل الحزب. فهي المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للأمانة العامة لـ«البام»، وتجمع بين تجربة في التدبير المحلي والعمل البرلماني والمسؤولية الحكومية.

كما تتولى منذ 2021 حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، بعد تجربة سابقة في رئاسة مجلس مدينة مراكش. ويمنحها موقعها التنظيمي وخبرتها في تدبير الشأن العام حضوراً طبيعياً في النقاش حول المرحلة المقبلة، خصوصاً أن القيادة الجماعية للحزب اختارت، بعد الانتخابات، الاستمرار في العمل بالصيغة التنظيمية الحالية.

أما محمد المهدي بنسعيد، فيمثل داخل الحزب مساراً يجمع بين العمل البرلماني والحكومي والقيادة السياسية. فقد دخل البرلمان سنة 2011، وتولى رئاسة لجنة الشؤون الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين بالخارج، قبل أن يصبح وزيراً للشباب والثقافة والتواصل سنة 2021.

ويشارك بنسعيد في القيادة الجماعية للحزب، كما كان من أبرز الوجوه التي دافعت خلال المرحلة الانتخابية عن البرنامج السياسي والاقتصادي لـ«البام»، ولا سيما ما يرتبط بالقدرة الشرائية والشباب والتشغيل. وقد شدد قبل الانتخابات على أن الحزب يريد تقديم برنامج يعتبره قابلاً للتمويل والتنفيذ، وليس مجرد وعود انتخابية.

ويأتي فوزي لقجع بمسار مختلف، يجمع بين الإدارة والمالية العمومية والعمل الحكومي والحضور الرياضي. فقد تدرج في وزارة الاقتصاد والمالية إلى أن تولى مديرية الميزانية، ثم أصبح وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية منذ 2021، بالتوازي مع رئاسته للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. والتحق رسمياً بحزب الأصالة والمعاصرة في يوليوز 2026، وانضم إلى مكتبه السياسي وخاض الانتخابات باسمه.

ويمنح هذا المسار لقجع حضوراً مختلفاً داخل النقاش، خصوصاً من زاوية تدبير المالية العمومية والسياسات الاقتصادية، إلى جانب حضوره الواسع في المجال الرياضي. وتقول المنصوري إن استقطابه كان جزءاً من تعزيز الحزب بكفاءات جديدة، وتنفي أن يكون انضمامه مرتبطاً بتنافس على المناصب.

وبين هذه المسارات الثلاثة، لا تبدو المسألة مرتبطة فقط بسيرة كل شخصية، وإنما أيضاً بنوعية المرحلة التي دخلها «البام». فالحزب الذي حصل على 97 مقعداً مطالب الآن بالانتقال من منطق الحملة الانتخابية إلى منطق التدبير الحكومي، ومن تقديم البرنامج إلى التفاوض حول برنامج حكومي مشترك.

وهنا يكتسب البرنامج الانتخابي للحزب أهمية خاصة. فقد بناه «البام» على خمسة مواثيق تشكل أولويات برنامجه: القدرة الشرائية، وإدماج الشباب، والمواطنة، والأمان الاستراتيجي، والنمو والاستدامة، مع 20 التزاماً وكلفة إجمالية معلنة في حدود 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، فضلاً عن هدف خلق مليون منصب شغل صاف خلال الولاية. ويؤكد الحزب أن هذه المواثيق ليست إجراءات منفصلة، وإنما حزمة مترابطة تستند إلى آليات للتمويل والتنفيذ والتتبع.

ولهذا، فإن السؤال الذي تطرحه المرحلة المقبلة يتجاوز أسماء المنصوري وبنسعيد ولقجع، ليصل إلى طبيعة القيادة التي ستقود «البام» في مرحلة تشكيل الحكومة وتنفيذ برنامجه. فالحزب لا يحتاج فقط إلى شخصية تتولى رئاسة الحكومة، وإنما إلى بناء أغلبية قادرة على تحويل الأولويات التي قدمها للناخبين إلى برنامج حكومي قابل للتنفيذ، وعلى إيجاد التوازن بين الالتزامات الانتخابية ومتطلبات التوافق مع الشركاء.

وقد أكدت المنصوري بالفعل أن «البام» لا يضع خطوطاً حمراء مسبقة أمام الأحزاب، وأن البرامج والتصورات ستكون أساس النقاش حول التحالفات. وهذا المعطى يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة بمستويين متلازمين: اختيار الصيغة السياسية للأغلبية، ثم الاتفاق على مضمون البرنامج الحكومي.

وهكذا، فإن تصدر «البام» للانتخابات لم يحسم بعد اسم رئيس الحكومة المقبل، لكنه نقل الحزب إلى موقع جديد يفرض عليه مسؤولية سياسية أكبر. وبين خبرة المنصوري التنظيمية والحكومية، ومسار بنسعيد البرلماني والحكومي، وخبرة لقجع في المالية والتدبير، يظل الحسم مرتبطاً بالمسار الدستوري وبالمشاورات السياسية، وبالقدرة في النهاية على بناء حكومة لا تكتفي بامتلاك الأغلبية، وإنما تستطيع أيضاً تحويل البرنامج الانتخابي إلى سياسات عمومية تستجيب للانتظارات التي حملتها نتائج 23 شتنبر.