لا يقتصر تقييم حضور النساء في الحكومة المغربية الجديدة على عدد المقاعد التي يشغلنها، بل يمتد إلى طبيعة التجارب المهنية والسياسية التي يحملنها إلى المسؤولية التنفيذية، وإلى مدى قدرتها على الإسهام في صياغة السياسات العمومية وتدبير القطاعات المسندة إليهن.
وتضم الحكومة التي ترأس الملك محمد السادس مراسم تعيين أعضائها بالقصر الملكي بالرباط أمس الجمعة، سبع نساء ضمن تشكيلة من 32 عضوًا، أي ما يقارب 22 في المائة، على رأسهن رئيسة الحكومة.
وتتناول هذه القراءة الوزيرات الست الأخريات، اللواتي أُسندت إليهن مسؤوليات تشمل الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، والأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، والإسكان وسياسة المدينة، والعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، والتكوين المهني والتأهيل، وإصلاح الإدارة.
فمن بين النساء اللواتي يتوزعن على حقائب حكومية مختلفة، تبرز مسارات تجمع بين العمل البرلماني والمحاماة والتدبير المحلي والمسؤولية الحزبية والخبرة الإدارية، بما يفتح المجال أمام قراءة تتجاوز التمثيلية العددية إلى طبيعة المشاركة النسائية في تدبير الشأن العام.
في قطاع الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، تتولى شرفات أفيلال المسؤولية الحكومية، مستندة إلى تجربة سابقة في تدبير قطاع الماء. فقد شغلت منصب الوزيرة المنتدبة المكلفة بالماء، كما راكمت تجربة برلمانية، من بينها تولي منصب نائبة لرئيس مجلس النواب. ويشكل تكوينها الهندسي وخبرتها السابقة في قطاع الماء جزءًا من خلفيتها المهنية، في وقت تتسع فيه مسؤوليتها الجديدة لتشمل ملفات الطاقة والمعادن والاستدامة.
وتضع هذه الحقيبة أمامها تحديات تتعلق بالتوفيق بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية الموارد الطبيعية، ومواكبة التحولات التي يعرفها قطاع الطاقة. كما يتيح مسارها السابق في تدبير ملف الماء مدخلًا لفهم خبرتها في قضايا الموارد الطبيعية، دون افتراض أن التجربة في قطاع بعينه تكفي وحدها للحكم على نتائج المسؤولية الجديدة.
أما نجوى كوكوس، وزيرة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، فتجمع بين المحاماة والعمل البرلماني والمسؤولية الحزبية. فقد تولت مسؤوليات في منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، قبل انتخابها رئيسة للمجلس الوطني للحزب في فبراير 2024، خلفًا لفاطمة الزهراء المنصوري. وعلى المستوى البرلماني، ارتبط جزء من تجربتها بملفات حقوق الإنسان والمساواة والمناصفة، كما شاركت في أشغال برلمانية تناولت هذه القضايا.
ويمنحها هذا المسار خلفية سياسية وتشريعية ذات صلة بالملفات التي ستشرف عليها، لكنه يضعها أيضًا أمام تحدي الانتقال من النقاش السياسي والبرلماني إلى تدابير عملية في مجالات الأسرة والحماية الاجتماعية والمساواة.
وسيكون من المهم تقييم السياسات التي ستعتمدها الوزارة من خلال أثرها على الفئات المستفيدة، ومدى مساهمتها في تقليص الفوارق الاجتماعية وتعزيز حماية النساء والأطفال والفئات الهشة.
وفي مجال الإسكان وسياسة المدينة، تتولى فاطمة السعدي منصب الوزيرة المنتدبة لدى الوزير المكلف بإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. ويجمع مسارها بين التدبير المحلي والعمل المؤسساتي والسياسي؛ إذ ترأست مجلس جماعة الحسيمة بين 2009 و2015، وشغلت منصب مديرة غرفة التجارة والصناعة والخدمات بالحسيمة، كما انتُخبت نائبة برلمانية خلال الولاية التشريعية الممتدة من 2016 إلى 2021.
وإلى جانب هذه التجربة، كانت السعدي ضمن القيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، المعروفة إعلاميًا بالقيادة الثلاثية. ويجمع مسارها بذلك بين المسؤولية المحلية والعمل الاقتصادي والتمثيل البرلماني والقيادة الحزبية.
أما مسؤوليتها الحكومية الجديدة، فتتصل بملفات السكن وسياسة المدينة، بما تتضمنه من رهانات السكن اللائق وتأهيل المجالات الحضرية وتحسين ظروف العيش، مع أهمية التنسيق مع الوزارة الوصية على القطاع.
وفي العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، أُسندت المسؤولية إلى قلوب فيطح، التي راكمت تجربة في المحاماة والعمل النيابي. فقد كانت نائبة برلمانية عن جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وشاركت في أعمال لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، كما ارتبط جزء من نشاطها البرلماني بقضايا المساواة والمناصفة.
وتكتسب هذه الخلفية أهمية بالنظر إلى طبيعة المهمة المسندة إليها، التي تتطلب تدبير العلاقة بين الحكومة والمؤسسة التشريعية، ومواكبة التفاعل مع المبادرات البرلمانية، فضلًا عن تعزيز قنوات التواصل المؤسساتي مع المجتمع المدني. ويظل تقييم هذه المسؤولية مرتبطًا بمدى مساهمتها في دعم الحوار بين المؤسسات وتيسير العمل التشريعي، مع احترام استقلالية البرلمان وأدواره الدستورية.
أما ماديحة خيير، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، فتأتي إلى المسؤولية التنفيذية من مسار أكاديمي وإداري شمل التكوين في التجارة الدولية والتدبير، والعمل بالمكتب الوطني للمطارات، ثم تولي مسؤولية الأمانة العامة لأكاديمية محمد السادس الدولية للطيران المدني.
ويمنحها هذا المسار خبرة إدارية في مجال يرتبط بالتكوين والتأهيل، بينما يشكل التكوين المهني أحد الملفات الأساسية في النقاش حول تطوير الكفاءات وتحسين فرص الاندماج في سوق الشغل.
ويتمثل التحدي أمام الوزارة في تعزيز الصلة بين التكوين وحاجيات المقاولات والقطاعات الاقتصادية، وتطوير الكفاءات القادرة على مواكبة التحولات التي يعرفها سوق العمل. وستكون نتائج البرامج المعتمدة ومدى استجابتها لحاجيات المتدربين والمشغلين من العناصر التي يمكن الاستناد إليها في تقييم الأداء.
وفي ملف إصلاح الإدارة، تتولى عائشة كلاع منصب الوزيرة المنتدبة المكلفة بإصلاح الإدارة لدى الوزير المكلف بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة. وهي محامية لدى محكمة النقض، وسبق لها أن خاضت تجربة برلمانية بين 2007 و2011، إلى جانب مسار أكاديمي في المجال القانوني.
وتتقاطع خلفيتها القانونية مع طبيعة المهمة التي تتطلب العمل على تحسين أداء المرافق العمومية وتبسيط المساطر وتطوير العلاقة بين الإدارة والمرتفقين. غير أن إصلاح الإدارة يظل ورشًا مؤسساتيًا يتجاوز المسؤولية الفردية، ويرتبط بتنسيق الجهود وتحديث طرق العمل وتقييم أثر الإجراءات على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتكشف هذه المسارات عن تنوع في الخبرات التي تحملها الوزيرات الست إلى الحكومة؛ فمنهن من راكمت تجربة في التدبير المحلي والعمل البرلماني، ومن جمعت بين المحاماة والمسؤولية الحزبية، ومن جاءت من الإدارة والتكوين. ويتيح هذا التنوع قراءة الحضور النسائي من زاوية الخبرة والتخصص والمسؤولية، بدل الاكتفاء بإحصاء عدد النساء في التشكيلة الحكومية.
لكن تعدد التجارب لا يشكل، في حد ذاته، دليلًا على نجاح السياسات المستقبلية أو تعثرها؛ فذلك يتوقف على الصلاحيات المتاحة، والموارد المرصودة، والقدرة على التنسيق والتنفيذ، فضلًا عن النتائج الفعلية التي يمكن قياسها.
ومن هنا، فإن تقييم عمل الوزيرات ينبغي أن يستند إلى القرارات والبرامج المنجزة وأثرها على المواطنين، لا إلى الانطباعات المسبقة المرتبطة بالمسار الشخصي أو الانتماء الحزبي.
ومن زاوية التمثيلية، يظل حضور النساء في الحكومة موضوعًا يرتبط بالنقاش الدستوري حول المناصفة. وينص الفصل 19 من الدستور المغربي على سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، وهو ما يجعل تقييم المشاركة النسائية مرتبطًا بمدى التقدم في تجسيد هذا المبدأ داخل المؤسسات ومراكز صنع القرار.
كما أن طبيعة الحقائب المسندة إلى النساء تطرح سؤالًا حول مستوى مشاركتهن في تحديد الأولويات الحكومية، وليس فقط حول وجودهن في قطاعات بعينها. فالتمثيلية لا تُقاس بأسماء الوزارات وحدها، بل كذلك بمدى الإسهام في صناعة القرار، وتوفر شروط العمل، والقدرة على تحويل البرامج إلى نتائج ملموسة.
وفي المحصلة، تقدم المسارات المهنية والسياسية للوزيرات الست صورة عن تنوع التجارب التي تدخل بها النساء إلى المسؤولية التنفيذية في المغرب.
غير أن الرهان الأساسي لا يتعلق بالخلفيات التي راكمنها فقط، بل بما ستتيح لهن المسؤوليات الجديدة إنجازه في القطاعات التي يشرفن عليها. وبين مطلب توسيع المشاركة النسائية وتحدي تحسين السياسات العمومية، ستظل النتائج المحققة معيارًا أساسيًا لتقييم حضور النساء في تدبير الشأن العام.



