تواصل العلاقات الاقتصادية والتجارية بين المغرب والمملكة المتحدة تسجيل دينامية متصاعدة، في مؤشر على انتقال الشراكة بين الرباط ولندن إلى مستوى جديد، مدفوعة بتنامي المبادلات التجارية واتساع فرص الاستثمار والتعاون في عدد من القطاعات الاستراتيجية.
وبلغ إجمالي المبادلات التجارية في السلع والخدمات بين البلدين نحو 4.7 مليارات جنيه إسترليني خلال سنة 2025، مقابل حوالي 4.3 مليارات جنيه خلال السنة السابقة، مسجلاً بذلك ارتفاعاً بنسبة تقارب 10.4 في المائة.
وتعكس هذه الأرقام التطور الملحوظ الذي تشهده العلاقات الاقتصادية المغربية البريطانية، خاصة في ظل رغبة البلدين في تعزيز الشراكة الثنائية وفتح مجالات جديدة أمام الفاعلين الاقتصاديين والمستثمرين.
الصادرات البريطانية نحو المغرب تتجاوز ملياري جنيه
بلغت قيمة الصادرات البريطانية من السلع والخدمات نحو المغرب حوالي 2.1 مليار جنيه إسترليني، مسجلة نمواً قوياً مقارنة بالفترة السابقة.
وفي الاتجاه المقابل، وصلت قيمة الواردات البريطانية القادمة من المغرب إلى نحو 2.6 مليار جنيه إسترليني، وهو ما يعكس المكانة المتزايدة للمنتجات المغربية داخل السوق البريطانية.
وتؤكد هذه المؤشرات أن المبادلات بين البلدين لم تعد مقتصرة على القطاعات التجارية التقليدية، بل أصبحت تشمل مجالات صناعية وخدماتية واستثمارية أكثر تنوعاً.
شراكة تتجاوز المبادلات التجارية
ويأتي هذا التطور في وقت يسعى فيه المغرب والمملكة المتحدة إلى بناء علاقات اقتصادية أكثر عمقاً، مستفيدين من اتفاقية الشراكة التي تؤطر العلاقات التجارية بينهما، ومن الفرص التي يوفرها الاقتصاد المغربي للشركات البريطانية الراغبة في الاستثمار والتوسع داخل المملكة.
ويشكل الموقع الجغرافي للمغرب إحدى أهم نقاط القوة في هذه العلاقة، بالنظر إلى قربه من أوروبا وارتباطه بالقارة الإفريقية، إلى جانب توفره على بنية تحتية متطورة تشمل الموانئ والمطارات والطرق السيارة والمناطق الصناعية واللوجستية.
ويمكن لهذه المميزات أن تجعل المملكة منصة مهمة أمام الشركات البريطانية الراغبة في الوصول إلى أسواق إفريقية جديدة.
قطاعات استراتيجية واعدة
وتبرز عدة قطاعات يمكن أن تشكل محركات أساسية للشراكة المغربية البريطانية خلال السنوات المقبلة، وفي مقدمتها الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعة والتكنولوجيا والبنيات التحتية والنقل والخدمات المالية والفلاحة والصناعات الغذائية والتعليم والتكوين.
كما توفر المشاريع الكبرى التي ينفذها المغرب، وخاصة تلك المرتبطة بتحديث البنيات التحتية والاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى وفي مقدمتها كأس العالم 2030، فرصاً إضافية أمام المقاولات والمستثمرين البريطانيين.
وفي المقابل، يمكن للمقاولات المغربية الاستفادة من السوق البريطانية لتطوير صادراتها، خاصة في قطاعات المنتجات الفلاحية والصناعات الغذائية والنسيج ومكونات السيارات والصناعات ذات القيمة المضافة.
المغرب بوابة بريطانية نحو إفريقيا
وتكتسي القارة الإفريقية أهمية خاصة في مستقبل العلاقات الاقتصادية بين الرباط ولندن.
فالمغرب راكم خلال السنوات الماضية حضوراً اقتصادياً واستثمارياً مهماً في عدد من الدول الإفريقية، من خلال قطاعات البنوك والاتصالات والأسمدة والتأمين والطاقة والعقار والبنيات التحتية.
ومن شأن هذه الخبرة أن تفتح الباب أمام شراكات مغربية بريطانية مشتركة لتنفيذ مشاريع داخل القارة، بما يسمح بالانتقال من نموذج المبادلات الثنائية التقليدية إلى شراكة ثلاثية: المغرب–المملكة المتحدة–إفريقيا.
نحو مرحلة اقتصادية جديدة
ارتفاع المبادلات التجارية إلى نحو 4.7 مليارات جنيه إسترليني يؤكد أن العلاقات المغربية البريطانية دخلت مرحلة جديدة، غير أن الإمكانات المتاحة تظل أكبر من الأرقام المسجلة حالياً.
فالرهان خلال السنوات المقبلة سيكون الانتقال من نمو المبادلات التجارية إلى تعزيز الاستثمارات المباشرة وإقامة مشاريع صناعية مشتركة ونقل التكنولوجيا وتطوير سلاسل القيمة.
وفي ظل التقارب السياسي والاقتصادي بين الرباط ولندن، يبدو أن الطريق أصبح ممهداً لبناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد، يكون فيها المغرب منصة بريطانية باتجاه إفريقيا، فيما تمثل المملكة المتحدة سوقاً وشريكاً استثمارياً مهماً للمغرب خارج الاتحاد الأوروبي.
وبذلك، فإن تجاوز المبادلات التجارية عتبة 4.7 مليارات جنيه إسترليني لا يمثل مجرد رقم جديد، بل يعكس تحولاً تدريجياً في طبيعة العلاقات بين المملكتين نحو شراكة اقتصادية أكثر تنوعاً وطموحاً.



