حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

الداخلية تفتح ملف النظافة بالجماعات.. الملايير تحت المجهر والمحاسبة تطرق أبواب المنتخبين

تحول ملف النظافة بعدد من المدن والجماعات المغربية إلى واحد من الملفات التي تفرض نفسها بقوة على طاولة التدبير المحلي، بعدما دخلت وزارة الداخلية على خط مراقبة كيفية تنفيذ عقود التدبير المفوض، وسط تساؤلات متزايدة حول جودة الخدمات المقدمة للمواطنين ومدى احترام الشركات للالتزامات التي تعاقدت بشأنها مع الجماعات.
وتأتي هذه التحركات في وقت تخصص فيه الجماعات ميزانيات مهمة سنويا لقطاع النظافة وجمع النفايات، بينما لا تزال بعض الأحياء، خصوصا بالمناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة، تعاني من تراكم الأزبال وتأخر عمليات الجمع ونقص الحاويات وتراجع مستوى النظافة، وهو ما يجعل الفارق بين الأموال المرصودة والنتائج المحققة على الأرض سؤالا مشروعا بالنسبة إلى المواطن.
المسألة لا تتعلق بالشركات وحدها، لأن الجماعات التي تختار التدبير المفوض لا تتخلى بموجب العقد عن مسؤوليتها تجاه السكان، بل تظل مطالبة بالمراقبة اليومية وتتبع مستوى تنفيذ دفتر التحملات والتأكد من توفر الآليات والموارد البشرية واحترام برامج جمع النفايات وتنظيف الشوارع والأحياء.
ومن هنا تبرز مسؤولية المجالس المنتخبة، إذ لا يمكن أن تتحول عقود النظافة إلى مجرد تحويل سنوي لمبالغ مالية ضخمة لفائدة شركات خاصة دون إخضاع أدائها لتقييم حقيقي وربط مستحقاتها بمستوى الخدمات المنجزة فعليا. فكل شاحنة منصوص عليها في العقد ولم تشتغل، وكل حاوية لم توضع في مكانها، وكل خدمة لم تنجز وفق الالتزامات المتفق عليها، يفترض أن تكون موضوع مراقبة وإجراءات واضحة.
دخول وزارة الداخلية على الخط يحمل في هذا السياق رسالة تتجاوز قطاع النظافة نفسه، عنوانها أن تدبير المرافق المحلية لم يعد يحتمل منطق الاكتفاء بتوقيع العقود وترك الشركات تدبر القطاع بعيدا عن رقابة فعلية. فالمال الذي تؤدى به هذه الخدمات مال عمومي، والمواطن هو المستفيد الأول الذي من حقه أن يعرف مقابل ماذا تنفق هذه الاعتمادات.
كما يعيد الملف النقاش حول فعالية دفاتر التحملات التي تؤطر عقود التدبير المفوض. فالمشكل ليس دائما في غياب الشروط والالتزامات، بل قد يوجد في ضعف تنزيلها ومراقبتها، خصوصا عندما تصبح العلاقة بين بعض الجماعات والشركات علاقة إدارية روتينية عوض أن تكون علاقة تعاقدية قائمة على النتائج والمحاسبة.
والأهم أن مراقبة شركات النظافة يجب ألا تتحول إلى حملة ظرفية مرتبطة بتراكم النفايات أو شكايات المواطنين، وإنما إلى آلية دائمة تعتمد مؤشرات دقيقة لقياس جودة الخدمات، مع ترتيب المسؤوليات عندما يثبت التقصير، سواء تعلق الأمر بالشركة المفوض لها أو بالمصالح المكلفة بالمراقبة أو بالمسؤولين عن تدبير المرفق.
إن النظافة ليست ملفا ثانويا في تدبير المدن، بل عنوان مباشر لجودة الحياة وصورة المجال الحضري وقدرة الجماعات على تحويل الميزانيات إلى خدمات ملموسة. لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس فقط: هل احترمت شركات النظافة التزاماتها؟ بل أيضا: هل قامت الجماعات بدورها الكامل في مراقبتها؟
وبين الملايير التي تصرف سنويا والصورة التي يراها المواطن يوميا أمام منزله وفي شارعه وحيه، توجد مساحة واسعة للمساءلة. وإذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تشديدا فعليا للمراقبة، فإن المطلوب ألا تتوقف العملية عند الاستفسارات والتقارير، بل أن تصل عند ثبوت الاختلالات إلى تطبيق الجزاءات وربط المسؤولية بالمحاسبة وحماية المال العام، لأن نظافة المدن ليست امتيازا تمنحه الشركات أو المجالس للسكان، وإنما خدمة عمومية يؤدي المواطن ثمنها ومن حقه أن يحصل عليها بالجودة التي تعاقدت الجماعات من أجلها.