دخل المشهد السياسي المغربي مرحلة جديدة بعد إسدال الستار على الانتخابات التشريعية، حيث انتقل النقاش من صناديق الاقتراع إلى حسابات تشكيل الأغلبية الحكومية، في ظل خريطة برلمانية جديدة لا تسمح لأي حزب بتدبير المرحلة المقبلة منفردا.
وأفرز اقتراع 23 شتنبر تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا من أصل 395، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، فيما عاد حزب العدالة والتنمية بقوة إلى مجلس النواب بحصوله على 54 مقعدا.
هذه الأرقام تجعل عتبة الأغلبية المطلقة، المحددة في 198 مقعدا، بعيدة عن الحزب المتصدر منفردا، وتضع التحالفات في قلب المرحلة السياسية المقبلة.
وعلى الورق تبدو الخيارات متعددة، لكن السياسة لا تُبنى بالأرقام وحدها، إذ تدخل العلاقات بين قيادات الأحزاب والخلافات التي تراكمت خلال السنوات الماضية والحملة الانتخابية ضمن العناصر المؤثرة في أي مفاوضات مقبلة.
أول السيناريوهات الحسابية يتمثل في استمرار الأحزاب الثلاثة التي شاركت في الحكومة السابقة، أي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، إذ يصل مجموع مقاعدها إلى 228 مقعدا، وهو رقم يوفر أغلبية داخل مجلس النواب.
غير أن إعادة إنتاج التحالف نفسه ستجري هذه المرة في ظل موازين قوة مختلفة، بعدما أصبح الأصالة والمعاصرة الحزب الأول، بينما حل التجمع الوطني للأحرار ثانيا والاستقلال ثالثا، كما أن الحملة الانتخابية شهدت سجالات بين بعض مكونات الأغلبية السابقة، وهو ما يجعل طبيعة العلاقات السياسية بينها عنصرا حاضرا في أي مفاوضات جديدة.
وفي المقابل، تتيح الخريطة البرلمانية حسابيا البحث عن تركيبات أخرى تضم أحزابا كانت خارج التدبير الحكومي، غير أن الإمكانية العددية لا تعني بالضرورة قابلية أي صيغة للتحقق سياسيا.
ومن أبرز المتغيرات في هذا السياق موقف حزب العدالة والتنمية، الذي أعلن اختياره الاصطفاف في المعارضة، وهو ما يقلص عمليا مساحة بعض التركيبات التي كان يمكن أن تمنح أغلبية عددية داخل مجلس النواب.
كما توجد أحزاب أخرى يمكن أن تدخل حسابات بناء الأغلبية، بينها الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري، ما يفتح المجال حسابيا أمام تركيبات مختلفة إذا اتجهت المشاورات نحو توسيع قاعدة التحالف.
لكن توسيع الأغلبية له بدوره تحديات سياسية، إذ كلما ارتفع عدد الأحزاب المشاركة ازدادت الحاجة إلى التوافق حول البرنامج الحكومي وتوزيع المسؤوليات والأولويات الاقتصادية والاجتماعية.
وهنا ينتقل السؤال من “من يملك 198 مقعدا؟” إلى سؤال أكثر تعقيدا يتعلق بقدرة الأحزاب التي ستشارك في الأغلبية على بناء تحالف متماسك وقادر على العمل المشترك طوال الولاية التشريعية.
وتزيد تحديات المرحلة المقبلة من أهمية هذا السؤال، بالنظر إلى الملفات التي تنتظر الحكومة الجديدة، من التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والماء والاستثمار، إلى استكمال الأوراش الكبرى والاستعداد لكأس العالم 2030.
وبين حسابات المقاعد وحسابات السياسة، تبقى مفاوضات تشكيل الأغلبية مفتوحة على أكثر من صيغة، فيما ستحدد المشاورات الرسمية ومواقف الأحزاب الحدود الفعلية لكل سيناريو.
فالتحالف الحكومي المقبل لن يتشكل فقط على أساس نتائج 23 شتنبر، بل ستدخل في تشكيله أيضا طبيعة العلاقات بين الأحزاب والخلافات السابقة ومدى استعداد الأطراف المعنية للوصول إلى توافقات تسمح بتحويل الأغلبية الحسابية إلى أغلبية سياسية قادرة على الاستمرار.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة



