وضع فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب اختبار البرنامج الحكومي في قدرته على تحويل الالتزامات المعلنة إلى نتائج ملموسة، خصوصا في ما يتعلق بمحاربة الفساد وتضارب المصالح، وضبط الأسواق، وتحسين القدرة الشرائية، وفتح آفاق الشغل أمام الشباب.
وخلال مناقشة البرنامج الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان، الخميس، اعتبر الفريق، في مداخلة ألقاها عادل بيطار، أن تنامي الحديث عن «الفراقشية» يعكس شعورا لدى فئات من المواطنين بأن اختلالات السوق وتعدد الوسطاء وضعف المراقبة تتيح لبعض المستفيدين تحقيق مكاسب على حساب المستهلكين، في وقت تتزايد فيه الضغوط على ميزانيات الأسر.
وفي هذا السياق، وجه الفريق انتقادات إلى تدبير الحكومات السابقة لملف الفساد، معتبرا أن الشعارات المرفوعة لم تحول دون استمرار مظاهر الريع وتضارب المصالح، وأن الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد لم تحقق النتائج المنتظرة. وربط تجاوز هذه الاختلالات بإرساء قواعد قانونية واضحة ومستقلة تحدد حالات تنازع المصالح، وشروط التصريح بها، والتدابير الوقائية والعقوبات المترتبة عنها.
ورأى البام أن البرنامج الحكومي يتضمن مدخلا تشريعيا ومؤسساتيا لتعزيز النزاهة، من خلال وضع إطار قانوني لتنازع المصالح، ومراجعة مقتضيات جنائية مرتبطة بالمصالح غير المشروعة، وتقوية التصريح بالممتلكات والمصالح، وحماية المبلغين عن الفساد، وتطوير آليات التنسيق والمراقبة والتتبع. كما شدد على ضرورة تنظيم الانتقال بين القطاعين العام والخاص، والحد من استغلال المعلومات والعلاقات التي يكتسبها المسؤولون خلال ممارسة مهامهم العمومية.
ولا ينفصل هذا الرهان، وفق المداخلة، عن حماية القدرة الشرائية؛ إذ دعا الفريق إلى إصلاح سلاسل الإنتاج والتوزيع والتسويق، ومحاربة الممارسات التي تساهم في رفع الأسعار، وضمان تموين الأسواق بالمواد الأساسية، مع تحديث أسواق الجملة وإصلاح مسالك تسويق اللحوم والأسماك.
وفي الجانب الاجتماعي، استحضر الفريق مجموعة من الالتزامات الواردة في البرنامج، من بينها إقرار تعويض اجتماعي تلقائي للأسر المستحقة لتغطية فاتورة الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 200 درهم بالنسبة إلى المسكن الرئيسي، وإصلاح الضريبة على الدخل عبر رفع الدخل الصافي المعفى وتقليص عدد الأشطر من خمسة إلى ثلاثة، مع خفض المعدل الهامشي المطبق على الشطر الأخير.
كما تطرق إلى الرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي الشهري من 500 إلى 1000 درهم، وتحسين استهداف المستفيدين بالاعتماد على الدخل الفعلي، تفاديا لإقصاء أسر مستحقة بسبب معايير التقييم. وشملت الالتزامات التي عرضها الفريق كذلك الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات إلى 2000 درهم شهريا بمختلف الأنظمة، وتمكين الأرملة من معاش يعادل 100 في المائة من معاش الزوج المتوفى، إلى جانب استكمال إصلاح التقاعد وتطوير التعويض عن فقدان الشغل.
وفي قطاع الصحة، توقف البام عند وضعية أكثر من أربعة ملايين شخص ما زالوا خارج التغطية الصحية، خصوصا من العمال غير الأجراء الذين يواجهون صعوبات في الانتظام في أداء الاشتراكات. ودعا إلى استكمال تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وتأهيل المستشفيات العمومية، وتقليص آجال الانتظار، وتحسين توفر الموارد البشرية والأدوية والتجهيزات، ومعالجة الاختلالات المالية التي تعرفها أنظمة التأمين.
أما في التعليم، فشدد الفريق على ضرورة بلوغ هدف «صفر انقطاع عن الدراسة»، وتعميم التعليم الأولي ابتداء من سن الرابعة، وتأهيل المؤسسات التعليمية وتحسين ظروف التمدرس، إلى جانب تثمين مهنة التدريس ودعم البحث العلمي والابتكار.
ويبرز ملف الشباب بدوره حجم التحدي المطروح أمام السياسات العمومية، إذ أشار الفريق إلى وجود 2.9 مليون شاب خارج منظومة التعليم والتكوين والشغل. وفي المقابل، يتضمن البرنامج الحكومي، بحسب المداخلة، إطلاق برنامج وطني مندمج يستهدف إدماج وتأهيل نحو مليون شاب وشابة للولوج إلى سوق الشغل بشكل مستدام، مع إرساء مسار موحد لمواكبة هذه الفئة، وتوسيع التكوين المهني وربطه بحاجيات المقاولات وسوق العمل.
وتشمل الإجراءات المرتبطة بالشباب تحسين جودة فرص العمل وظروفه، وتيسير الحركية المهنية نحو مناطق التكوين والتشغيل، وإطلاق برنامج للسكن الإيجاري الموجه إلى الشباب، فضلا عن تطوير التطوع المدني باعتباره وسيلة لاكتساب الخبرة وتعزيز المشاركة المجتمعية.
وعلى مستوى السيادة الاستراتيجية، أبرز الفريق توجهات البرنامج في مجالات الطاقة والماء والغذاء والبحث العلمي. ففي الطاقة، تشمل الالتزامات ضمان مخزون من المحروقات يغطي الاستهلاك الوطني لمدة شهرين، وتسريع تنفيذ استراتيجية الطاقات المتجددة، ورفع حصتها من القدرة الإجمالية المنشأة لإنتاج الكهرباء إلى 52 في المائة بحلول 2030.
وفي المجال المائي، تتجه الحكومة، وفق ما ورد في المداخلة، إلى مضاعفة إنجاز السدود الصغرى والتلية، وتثمين مياه الأمطار، وتسريع مشاريع تحلية مياه البحر، وتطوير تحويل المياه بين الأحواض والجهات متى ثبتت جدواه، مع مراعاة التوازنات المائية للمناطق المعنية. كما تطرق الفريق إلى تكوين ألف مؤطر في الذكاء الاصطناعي، وإدماج هذه المادة في التعليم الإعدادي، وبناء منظومة وطنية لتطوير البحث والابتكار في هذا المجال.
اقتصاديا، ربط البام الوفاء بالالتزامات الاجتماعية بقدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة وخلق فرص الشغل، داعيا إلى توسيع الوعاء الضريبي عبر إدماج الاقتصاد غير المهيكل ومحاربة الريع والتهرب والغش، بدلا من زيادة الضغط الجبائي على الأسر والطبقة الوسطى والمقاولات المنتجة.
وفي هذا الإطار، أورد الفريق أهدافا تتمثل في تحقيق نمو اقتصادي متوسط بنسبة 4 في المائة سنويا، وحصر التضخم في حدود 2 في المائة، وتقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ووضع المديونية العمومية في مسار تنازلي لتبلغ نحو 60 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي في أفق 2030.
وأكد فريق الأصالة والمعاصرة دعمه للبرنامج الحكومي وثقته في رئيسة الحكومة ومكونات الأغلبية، لكنه شدد على أن مسؤولية الأغلبية لا تتوقف عند توفير الدعم السياسي، بل تشمل التشريع الفعال والمواكبة الجادة والمراقبة البناءة. ويظل التحدي الأساسي، وفق هذا المنظور، هو الانتقال من الالتزامات المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس، سواء في محاربة الفساد وتضارب المصالح أو في تخفيف أعباء المعيشة وتحسين الخدمات وفرص الشغل.



