حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

مع اقتراب موعد الاقتراع المقرر يوم 23 شتنبر 2026، تدخل الانتخابات التشريعية المغربية مرحلتها الأخيرة، وسط مشهد انتخابي تتقاطع فيه كثافة الترشيحات مع تنوع الهيئة الناخبة وتعدد القضايا الاجتماعية والاقتصادية المطروحة في النقاش العمومي.

ويكتسي هذا الاستحقاق أهمية خاصة باعتباره الانتخابات التشريعية الثانية عشرة منذ الاستقلال، وبالنظر إلى أن المنافسة لا تدور فقط حول 395 مقعداً بمجلس النواب، وإنما أيضاً حول البرامج والاختيارات التي ستحدد ملامح المرحلة السياسية المقبلة.

وتشير المعطيات التي أوردتها وكالة المغرب العربي للأنباء، استناداً إلى المعطيات الرسمية، إلى مشاركة 28 هيئة سياسية، من بينها تحالف أحزاب تأسس بمناسبة هذه الانتخابات، إلى جانب لائحتين لمرشحين غير منتمين حزبياً.

وتكشف هذه الخريطة عن تعدد واضح في العرض الانتخابي، فيما بلغ مجموع لوائح الترشيح المقدمة على الصعيد الوطني 1850 لائحة تضم 7288 ترشيحاً، أي بمعدل يفوق 18 مرشحاً عن كل مقعد.

وعلى مستوى الدوائر المحلية، بلغ عدد اللوائح 1615 لائحة تضم 5505 مترشحين ومترشحات، بمعدل يفوق 18 ترشيحاً عن كل مقعد، مقابل 1472 لائحة و5046 مترشحاً ومترشحة في انتخابات 2021.

أما الدوائر الانتخابية الجهوية، وعددها 12 دائرة والمخصصة حصرياً للنساء، فقد سجلت 235 لائحة تضم 1783 مترشحة، بمعدل يقارب 20 ترشيحاً عن كل مقعد، مقابل 1769 مترشحة ومترشحاً سنة 2021.

وتعطي خريطة الترشيحات حسب الهيئات السياسية صورة أكثر تفصيلاً عن حجم الحضور الانتخابي وتفاوت مستوى التغطية بين المشاركين. فقد قدمت أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية، كل واحد منها، 92 لائحة محلية تضم 305 مترشحين ومترشحات، إلى جانب 12 لائحة جهوية تضم 90 مترشحة، فيما قدم التجمع الوطني للأحرار 92 لائحة محلية تضم 305 مترشحين ومترشحات و11 لائحة جهوية تضم 80 مترشحة.

وقدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 90 لائحة محلية تضم 301 مترشح ومترشحة و11 لائحة جهوية تضم 87 مترشحة، بينما قدمت الحركة الشعبية 86 لائحة محلية تضم 290 مترشحاً ومترشحة و12 لائحة جهوية تضم 90 مترشحة، وتحالف اليسار 85 لائحة محلية تضم 284 مترشحاً ومترشحة و11 لائحة جهوية تضم 85 مترشحة.

أما باقي الهيئات السياسية المشاركة، فقد تفاوت حجم حضورها من حيث عدد اللوائح المحلية والجهوية والمترشحين، وفقاً للمعطيات الرسمية الخاصة بكل هيئة. وتعكس هذه الأرقام، في مجموعها، تعدد مستويات الانتشار والتغطية الترابية بين مختلف المشاركين، دون أن تشكل في حد ذاتها مؤشراً على النتائج الانتخابية المرتقبة.

ويحضر العنصر النسائي بدوره في قلب هذه الخريطة الانتخابية، إذ بلغت الترشيحات النسوية 2658 ترشيحاً، أي 36.47 في المائة من مجموع الترشيحات. وتتوزع هذه الترشيحات بين 1783 مترشحة في الدوائر الجهوية و875 مترشحة في الدوائر المحلية، فيما تترأس مترشحات 121 لائحة محلية بصفة وكيلات للوائح.

وتمنح هذه المعطيات الحضور النسائي موقعاً بارزاً في المنافسة الانتخابية، ليس فقط من خلال الدوائر الجهوية المخصصة للنساء، وإنما أيضاً عبر الحضور المتزايد للنساء في اللوائح المحلية.

لكن قراءة المشهد الانتخابي لا تكتمل بالنظر إلى خريطة الترشيحات وحدها، إذ تكتسب تركيبة الهيئة الناخبة أهمية موازية في فهم طبيعة هذا الاستحقاق. فقد بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة 15 مليوناً و801 ألفاً و162 ناخباً، يتوزعون بين 54 في المائة من الرجال و46 في المائة من النساء، فيما يمثل سكان الوسط الحضري 55 في المائة مقابل 45 في المائة للوسط القروي. كما تشكل الفئة البالغة 60 سنة فأكثر أكثر من 29 في المائة من مجموع المسجلين.

ويبرز الشباب كإحدى الشرائح التي تستحق قراءة خاصة، إذ تمثل الفئة العمرية بين 18 و24 سنة 4 في المائة من المسجلين، بينما تمثل الفئة بين 25 و34 سنة 15 في المائة، أي أن المسجلين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 سنة يشكلون نحو 19 في المائة من الهيئة الناخبة.

وهذه التركيبة تجعل قضايا الشباب جزءاً أساسياً من النقاش حول السياسات العمومية، وفي مقدمتها جودة التعليم، وتطوير التكوين المهني وربطه بحاجيات سوق الشغل، وتوفير فرص العمل الأولى، وتشجيع المبادرة والاستثمار، إلى جانب السكن والصحة والنقل والخدمات العمومية والثقافة والرياضة.

وتتسع دائرة هذه الانتظارات لتشمل قضايا اجتماعية واقتصادية تمس الحياة اليومية للمواطنين، وفي مقدمتها القدرة الشرائية والحماية الاجتماعية وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، فضلاً عن تقليص الفوارق بين المجالات الحضرية والقروية، وتحسين النقل والخدمات الأساسية، وتوفير شروط أفضل للاستثمار وخلق فرص الشغل.

ومن ثم، فإن النقاش الانتخابي لا يرتبط فقط بالمنافسة على المقاعد البرلمانية، بل بما ستقترحه الهيئات المتنافسة من أجوبة عملية عن هذه الملفات التي تشكل جزءاً من انتظارات المواطنين.

وفي موازاة ذلك، يحافظ عنصر التجربة البرلمانية السابقة على حضوره داخل المنافسة، إذ بلغ عدد أعضاء البرلمان المزاولين لمهامهم الذين تقدموا بترشيحاتهم 227 عضواً، من بينهم 204 نواب و20 نائبة وثلاثة مستشارين. ويعكس هذا الرقم استمرار حضور عدد من الوجوه البرلمانية الحالية في السباق الانتخابي، إلى جانب مترشحين يسعون إلى دخول المؤسسة التشريعية للمرة الأولى.

وتأتي هذه المنافسة في سياق زمني محدد بوضوح، إذ انطلقت الحملة الانتخابية يوم 10 شتنبر وتستمر إلى منتصف ليلة 22 شتنبر، قبل أن يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر.

وبذلك، دخلت الهيئات السياسية والمترشحون المرحلة الأخيرة من تقديم برامجهم ومواقفهم والتواصل مع الناخبين، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى قدرة الخطاب الانتخابي على ملامسة القضايا التي تشغل المواطنين، خصوصاً في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والخدماتية.

وفي المحصلة، يقدم المشهد الانتخابي عشية الاقتراع صورة مركبة: منافسة واسعة على 395 مقعداً، وأكثر من سبعة آلاف مترشح، وحضور نسائي لافت، وهيئة ناخبة تضم كتلة شبابية مهمة إلى جانب وزن ديمغرافي كبير للفئات الأكبر سناً، فضلاً عن تعدد الهيئات السياسية والبرامج المعروضة على الناخبين. غير أن هذه الأرقام، على أهميتها، تظل مؤشرات على حجم المنافسة وتركيبة الاستحقاق، ولا تسمح وحدها باستنتاج اتجاهات التصويت أو مستوى المشاركة.

ومع حلول منتصف الليل، تنتهي الحملة الانتخابية التي انطلقت في 10 شتنبر، ويبدأ الصمت الانتخابي، لتنتقل المبادرة من الأحزاب والمرشحين إلى الناخبين. فبعد أسابيع من الخطابات والبرامج والوعود، يحين موعد الاختبار الفعلي داخل صناديق الاقتراع، حيث تتحول القضايا التي تصدرت النقاش الانتخابي إلى اختيارات تصنعها أصوات المواطنين.

وفي هذه اللحظة، لا تعود كثافة الترشيحات أو اتساع العرض السياسي هي العامل الحاسم، بل قدرة العملية الانتخابية على تحويل الاهتمام السياسي إلى مشاركة فعلية واختيارات واضحة.

وستحمل نتائج 23 شتنبر دلالة تتجاوز توزيع المقاعد، لأنها ستحدد تركيبة مجلس النواب والخريطة السياسية المنبثقة عنه، وتفتح الطريق أمام مرحلة جديدة ستتبلور خلالها موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية.

وعند إعلان النتائج الرسمية، سيكون بالإمكان الانتقال من قراءة المعطيات والانتظارات إلى قراءة الاختيارات التي عبّر عنها الناخبون، ومدى حضور القضايا الاجتماعية والاقتصادية في الخريطة الجديدة. أما شكل المرحلة المقبلة، فسيظل رهيناً بما ستفرزه صناديق الاقتراع، وما ستكشفه النتائج من اتجاهات واختيارات داخل المجتمع.