وضع إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، الوعود الانتخابية في صلب مساءلته للحكومة الجديدة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، مطالبا بتوضيحات بشأن عدد من الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية التي قال إنها غابت عن البرنامج الحكومي أو أُرجئ تنفيذها إلى مراحل لاحقة، وفي مقدمتها إحداث مليون منصب شغل صاف، ورفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، وتعزيز الدعم الاجتماعي المباشر وتخفيف العبء الضريبي عن الأجراء.
وخلال مناقشة البرنامج الحكومي، سأل الأزمي رئيسة الحكومة عن الفارق بين التعهدات التي قدمتها مكونات الأغلبية خلال الحملة الانتخابية ومضامين البرنامج المعروض على البرلمان، متوقفا عند غياب آجال محددة لتنفيذ بعض الالتزامات، واعتماد التدرج في أخرى، معتبرا أن ذلك يطرح أسئلة حول مدى الالتزام بتحويل الوعود إلى إجراءات قابلة للقياس والتقييم.
وفي ملف التشغيل، أثار رئيس فريق العدالة والتنمية مسألة التعهد بإحداث مليون منصب شغل صاف خلال الولاية الحكومية، متسائلا عن غياب هذا الهدف عن العرض الشفوي للبرنامج، وعن طبيعة بعض الأرقام التي يجري تداولها في هذا السياق. وشملت ملاحظاته مناصب الشغل المرتبطة بتنظيم كأس العالم، المقدرة بـ360 ألف منصب، إضافة إلى 40 ألف منصب في المجال الرياضي و80 ألف فلاح شاب مقيم، مع التشكيك في مدى إمكانية احتساب هذه الأرقام ضمن حصيلة تشغيل مؤكدة.
وامتدت مساءلته إلى الالتزامات الاجتماعية، إذ طالب بتوضيح مصير رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، بعدما قال إن تنفيذه أُرجئ إلى مراحل تدريجية دون تحديد موعد واضح. كما أثار ربط رفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم بنهاية الولاية الحكومية، متسائلا عن الشروط التي ستؤطر هذا الالتزام.
وشملت الانتقادات أيضا، الوعود المتعلقة بالتعويض عن فقدان الشغل، ومن بينها تمديد مدة الاستفادة من ستة أشهر إلى سنة، ورفع سقف التعويض إلى 7500 درهم شهريا، فضلا عن منحة الدخول المدرسي المحددة في 1000 درهم عن كل طفل متمدرس لفائدة الأسر محدودة الدخل. كما تساءل الأزمي عن مصير الالتزامات المرتبطة بالسكن اللائق والسكن القروي والحد الأدنى للأجر.
وعلى مستوى القدرة الشرائية والإصلاح الضريبي، أثار المسؤول الحزبي مصير التعهد بخفض الضريبة على الأجور واعتماد ثلاثة أشطر بمعدل هامشي أقصى يبلغ 20 في المائة، معتبرا أن هذه الإجراءات تندرج ضمن الوعود التي تستدعي توضيحا بشأن مآلها في البرنامج الحكومي.
وفي قطاع الصحة، انتقد الأزمي طريقة تقديم تطور التغطية الصحية، معتبرا أن الانتقال من نسبة 42 في المائة سنة 2022 إلى 89 في المائة لا يقدم، بحسب قراءته، صورة كاملة عن وضعية التغطية، بسبب عدم احتساب المستفيدين سابقا من نظام المساعدة الطبية.
وطالب بتوضيح التدابير الموجهة إلى الأشخاص الذين لا يستفيدون من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وبالكشف عن الإجراءات الكفيلة بتحقيق التعميم الفعلي للتغطية الصحية وتقليص الأعباء التي تتحملها الأسر.
كما أثار ملف السياحة، متوقفا عند الهدف المعلن لاستقطاب 26 مليون سائح بحلول سنة 2030، ومتسائلا عن أسباب حصر الخريطة السياحية في الفترة الممتدة من 2027 إلى 2030. وربط ذلك، في سياق أوسع، بأسئلة حول مصير التزامات أخرى تخص التعليم والسكن والقدرة الشرائية، من بينها الوعد بتحقيق المرتبة السادسة عالميا في التعليم.
ولم تقتصر مداخلة الأزمي على السياسات الاجتماعية والاقتصادية، بل شملت أيضا تركيبة الحكومة ومدى انسجام مكوناتها، إلى جانب ملفات حقوق الإنسان والحريات والعدالة المجالية والتنمية القروية. وانتقد ما اعتبره ضعف الاهتمام بالعالم القروي، كما أثار غياب وزارة مستقلة تعنى بشؤون المغاربة المقيمين بالخارج.
وفي ملف النزاهة، دعا رئيس فريق العدالة والتنمية إلى استكمال المنظومة الوطنية لمكافحة الفساد، من خلال تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم إفشاء المعلومات بغرض الحصول على امتيازات. وانتقد، في هذا الإطار، ما اعتبره تركيزا على الموظفين والوظيفة العمومية مقابل عدم إيلاء المسؤوليات والمناصب السياسية ما يكفي من الاهتمام.
وأعلن الأزمي أن فريقه يعتزم إيداع أربعة مقترحات قوانين مرتبطة بمحاربة الفساد وتعزيز النزاهة، مستندا إلى توصيات الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ومؤكدا استعداد فريقه لمناقشتها في أقرب الآجال. وقدم هذه الخطوة ضمن ما وصفه بالمعارضة الاقتراحية والبناءة، التي تجمع بين مراقبة العمل الحكومي وتقديم بدائل تشريعية.
حقوقيا، دعا الأزمي إلى إطلاق سراح المعتقلين على خلفية احتجاجات الحسيمة واحتجاجات شباب جيل «Z»، إلى جانب النقيب محمد زيان، معتبرا أن معالجة هذه الملفات يمكن أن تسهم في تحسين المناخ السياسي.
كما ربط ضعف المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة بأزمة الثقة في المؤسسات والعمل السياسي، وأثار ما وصفه باختلالات انتخابية تشمل استعمال المال لاستمالة الناخبين والترحال الحزبي والقاسم الانتخابي وتدبير اللوائح ومكاتب التصويت.
وفي ختام مداخلته، أكد الأزمي أن العدالة والتنمية سيواصل أداء أدواره من موقع المعارضة، مع التركيز على مراقبة الأداء الحكومي وتقديم البدائل الاقتصادية والاجتماعية، ومحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، والدفاع عن الحقوق والحريات وتحسين أوضاع الشباب.
وتضع هذه المداخلة الحكومة الجديدة أمام مجموعة من الأسئلة بشأن العلاقة بين الوعود الانتخابية والالتزامات الواردة في برنامجها، ومدى وضوح آجال التنفيذ ومؤشرات التقييم.
غير أن الحسم في مصير كل تعهد يقتضي الرجوع إلى البرنامج الحكومي والنصوص الرسمية ذات الصلة، والتمييز بين الالتزامات التي أُسقطت فعلا وتلك التي أُدرجت بصيغة مختلفة أو أُسند تنفيذها إلى مراحل لاحقة.



