حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

أين زمن الساسة والسياسيين أصحاب المبدأ؟ سؤال لم يعد مجرد حنين إلى الماضي، بل أصبح مشروعا ونحن نتابع تحولات المشهد الحزبي المغربي، حيث تتراجع في أحيان كثيرة لغة الأفكار والمرجعيات أمام حسابات المواقع والتزكيات والتحالفات والانتخابات. لقد كان الاختلاف السياسي في زمن مضى اختلافا حول تصور المجتمع والدولة والاقتصاد، أما اليوم فيخشى أن يتحول عند البعض إلى مجرد خلاف حول من يحصل على المقعد ومن يصل إلى المنصب.

لم يكن جميع رجال السياسة في الماضي دكاترة ولا علماء ولا خبراء في الاقتصاد والقانون، ولم تكن الشهادات الجامعية هي التي تمنحهم مكانتهم داخل المجتمع. كان لبعضهم شيء ربما أصبح أكثر ندرة اليوم: المبدأ. كانوا يعتبرون السياسة التزاما، والوطن مسؤولية، والانتماء الحزبي موقفا فكريا وأخلاقيا لا بطاقة عبور إلى البرلمان أو الحكومة أو المجالس المنتخبة.
خرجت أجيال من رحم الحركة الوطنية ومن معارك الاستقلال وبناء الدولة المغربية الحديثة. اختلف رجالها، وتصادموا سياسيا، ودفع بعضهم أثمانا قاسية لمواقفه، لكن جزءا مهما من ذلك الجيل كان ينظر إلى العمل العام باعتباره تضحية قبل أن يكون امتيازا. كانت هناك أسماء صنعت مكانتها بما تحملته من سجون ومنافي ومواجهات ونضال، لا بما راكمته من ممتلكات ومناصب.
وكانت الأحزاب السياسية، رغم أخطائها وصراعاتها، مدارس حقيقية للتكوين. يدخل إليها الشاب ليتعلم النقاش والاستماع والتنظيم والتاريخ والقانون والشأن العام. يقرأ الصحف والكتب والبيانات، يحضر الاجتماعات، يناقش الأكبر منه سنا وتجربة، ويتدرج سنوات قبل أن يصبح مسؤولا. لم تكن الطريق إلى القيادة دائما قصيرة، ولم يكن الظهور الإعلامي كافيا لصناعة زعيم.
وكانت الوطنية تجمع المختلفين. حب الملك والوطن والدفاع عن استقلال البلاد ووحدتها وكرامة أبنائها لم يكن حكرا على تيار دون آخر. اختلف الوطنيون في السياسة وفي تصورهم للديمقراطية والاقتصاد والمجتمع، لكن المغرب ظل أكبر من الحزب وأكبر من الأشخاص والمناصب.
حتى الانتقال من حزب إلى آخر كان حدثا سياسيا يستوجب التفسير. فالانتماء لم يكن مجرد شعار انتخابي يوضع على ملصق ثم يستبدل عند أول خلاف حول التزكية. كان الحزب فكرا ومرجعية وتاريخا ومواقف وعلاقات إنسانية ونضالية تراكمت على مدى سنوات. وكان من الصعب أن يستيقظ السياسي صباحا فيكتشف أن قناعاته تغيرت تماما فقط لأن حزبا آخر فتح له باب الترشح.
أما عندما يصبح تغيير القميص الحزبي أمرا عاديا، وتصبح التزكية أهم من المرجعية، ويتحول المنتخب من حزب إلى آخر مع اقتراب الاستحقاقات، فإن المواطن من حقه أن يسأل: أين تنتهي القناعة وأين تبدأ المصلحة؟
المشكلة ليست في أن يتغير الإنسان فكريا؛ فمراجعة الأفكار حق طبيعي، والسياسة ليست سجنا أبديا. لكن الفرق كبير بين تحول فكري معلن ومبرر وبين انتقال تحكمه حسابات المواقع والمقاعد. السياسي الذي يغير قناعته يستطيع أن يشرح للمواطن لماذا تغير، أما الذي يغير فقط عنوان الحزب الذي سيترشح باسمه فسيظل مطالبا بتفسير سياسي مقنع.
وليس المطلوب أيضا تقديس الماضي. تاريخ السياسة المغربية لم يكن مثاليا، وعرف بدوره صراعات وانقسامات وأخطاء ومواجهات قاسية. لكن الرجوع إلى التاريخ لا يعني الهروب إليه، وإنما البحث فيه عما يمكن أن يساعدنا على التقدم إلى الأمام.
نحتاج إلى استعادة معنى السياسة قبل استعادة أسماء السياسيين. نحتاج إلى حزب يصنع النخب، لا إلى نخبة تبحث في آخر لحظة عن حزب يحملها إلى الانتخابات. نحتاج إلى منتخب يعرف لماذا ينتمي إلى تنظيمه، وبرلماني يدافع عن فكرة، ووزير يعتبر المنصب مسؤولية مؤقتة، وقيادي يستطيع العودة إلى بيته بعد انتهاء مهمته دون أن يشعر أن حياته انتهت لأنه فقد الكرسي.
فالمنصب في الدولة ليس ملكية خاصة، والسياسة ليست مهنة للاغتناء. ومن يدخل العمل العام بحثا عن الثراء السريع يسيء إلى السياسة قبل أن يسيء إلى الحزب الذي ينتمي إليه. أما المال والريع واستغلال النفوذ، متى ثبتت بالأدلة والمؤسسات المختصة، فهي أمور يجب أن تواجه بالقانون والمحاسبة، لا بالشعارات وحدها.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية ليس ضعف حزب أو سقوط زعيم، بل أن يفقد المواطن ثقته في السياسة نفسها. حين يقتنع الشباب بأن النجاح السياسي لا يحتاج إلى أفكار أو تضحيات وإنما إلى المال والعلاقات والقدرة على تغيير المواقع، فإننا لا نخسر انتخابات فقط، بل نخسر مدرسة كاملة لإنتاج النخب.
لهذا أصبح من الواجب أن نقف وقفة تأمل. ليس للبكاء على زمن مضى، وإنما لاسترجاع ما كان فيه ضروريا للمستقبل: المبدأ، النزاهة، التكوين، الوفاء، الاختلاف المحترم، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
المغرب الذي يتقدم في البنيات التحتية والصناعة والاستثمار والتكنولوجيا يحتاج أيضا إلى حياة سياسية تتقدم بالسرعة نفسها. فالدولة القوية تحتاج إلى مؤسسات قوية، والمؤسسات القوية تحتاج إلى أحزاب حقيقية، والأحزاب الحقيقية تحتاج إلى رجال ونساء يدخلون السياسة بما يؤمنون به، لا بما ينتظرون الحصول عليه منها.
لقد كان الانتماء الحزبي يوما عنوانا للفكرة. وربما يكون أحد أكبر تحديات السياسة المغربية اليوم أن يصبح كذلك من جديد.