حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

أوجار من الشرق يرفع حرارة المواجهة السياسية

لم يكن اللقاء التواصلي الذي احتضنته مدينة وجدة مجرد محطة تنظيمية عادية في أجندة التجمع الوطني للأحرار، بل تحول إلى منصة سياسية أطلق منها محمد أوجار رسائل قوية في اتجاه الحلفاء والخصوم، في توقيت بدأت فيه حرارة الانتخابات تفرض إيقاعا جديدا على المشهد الحزبي المغربي.
ومن قلب جهة الشرق، اختار أوجار لغة مباشرة للدفاع عن التجربة الحكومية، معتبرا أن حصيلة السنوات الماضية لا يمكن تجزيئها بحسب المواقع الانتخابية الجديدة، وأن الأحزاب التي شاركت في تدبير الحكومة تتحمل بصورة مشتركة مسؤولية القرارات والاختيارات التي اتخذت طيلة الولاية.
وتحمل هذه الرسالة دلالة سياسية واضحة في مرحلة بدأت فيها مكونات الأغلبية تستعيد استقلاليتها في الخطاب، وتحاول كل قيادة حزبية تقديم قراءتها الخاصة للحصيلة الحكومية استعدادا لمعركة صناديق الاقتراع.
الأكثر إثارة في مداخلة أوجار كان دخوله على خط الجدل الذي أثارته تصريحات فوزي لقجع حول «الفراقشية»، إذ جاء رده حادا، في مؤشر على أن مرحلة ضبط الخلافات داخل حدود الأغلبية لم تعد بالقوة نفسها التي كانت عليها خلال السنوات الماضية، وأن اقتراب الانتخابات بدأ يحرر الألسن من حسابات الانضباط الحكومي.
ولا تكمن أهمية السجال في الكلمات وحدها، وإنما في هوية المتحدثين وموقعهم داخل المشهد السياسي والمؤسساتي، وفي التوقيت الذي تأتي فيه هذه التصريحات، حيث تستعد الأحزاب لإعادة ترتيب أوراقها واختيار مرشحيها وبناء خطابها الانتخابي.
كما أعاد أوجار إلى الواجهة قضية الترحال السياسي، وهي واحدة من أكثر الظواهر التي تثير الجدل كلما اقتربت الانتخابات، خصوصا عندما يصبح تغيير الانتماء الحزبي مرتبطا بحسابات التزكية والمقاعد أكثر من ارتباطه بتحولات فكرية أو سياسية واضحة.
ومن هذه الزاوية، يصبح لقاء وجدة صورة مصغرة لما قد يعرفه المشهد الحزبي خلال الأسابيع المقبلة. فالحلفاء الذين جلسوا لسنوات حول الطاولة الحكومية نفسها يستعدون الآن للتنافس على الناخب نفسه، وكل طرف سيحاول الاحتفاظ بنصيبه من المنجز وإبعاد نفسه عن كلفة الملفات التي أثارت استياء الرأي العام.
لكن المواطن لا ينظر بالضرورة إلى الحكومة بالطريقة التي تنظر بها الأحزاب إلى نفسها. بالنسبة إليه، الأغلبية التي حكمت كانت أغلبية واحدة حين اتخذت القرارات وصادقت على القوانين والميزانيات، ولذلك سيكون من الصعب سياسيا إقناعه بأن النجاح جماعي عندما تكون الحصيلة إيجابية، بينما تصبح المسؤولية فردية عند ظهور الإخفاقات.
وهنا تحديدا تبرز أهمية الرسالة التي خرج بها أوجار من الشرق: من شارك في الحكم عليه أن يتحمل حصته من الحصيلة حتى النهاية، قبل أن يعود الجميع إلى قواعد المنافسة الطبيعية أمام صناديق الاقتراع.
المشهد السياسي يدخل إذن مرحلة مختلفة. التحالفات التي فرضتها ضرورات تدبير الحكومة تفسح المجال تدريجيا لمنطق المنافسة، والخطاب الدبلوماسي بين الحلفاء يتراجع أمام لغة أكثر وضوحا، بينما تتحول اللقاءات الجهوية إلى منصات لإطلاق الرسائل الوطنية.
وقد تكون وجدة مجرد البداية. فكلما اقترب موعد الانتخابات، ستزداد حدة الخطابات وستظهر ملفات وخلافات ظلت لسنوات خلف أبواب الأغلبية. والسؤال ليس فقط من سيهاجم من، بل من سيتمكن من إقناع المواطن بأن ما يقوله اليوم ينسجم فعلا مع ما دافع عنه وهو داخل الحكومة.
فالانتخابات لا تبدأ يوم فتح مكاتب التصويت، بل تبدأ عندما يتوقف الحلفاء عن الحديث بصوت واحد. ومن قلب الشرق، بدا أن هذه المرحلة قد بدأت بالفعل.