ألمانيا تدعم تجارة الصحراء مع أوروبا.. دفعة جديدة للاستثمار بالأقاليم الجنوبية
يتعزز المسار الاقتصادي الذي يربط الأقاليم الجنوبية للمملكة بالأسواق الأوروبية مع المواقف الداعمة لاستمرار العلاقات التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي بما يشمل المنتجات القادمة من الصحراء المغربية، في تحول تتجاوز دلالاته المبادلات التجارية لتصل إلى مستقبل الاستثمار والتنمية بالعيون والداخلة وباقي مناطق الجنوب.
ويكتسي الموقف الألماني أهمية خاصة بالنظر إلى وزن برلين داخل الاتحاد الأوروبي ودورها في صياغة التوجهات الاقتصادية والسياسية للقارة، فضلا عن المكانة التي تحتلها ألمانيا باعتبارها إحدى أكبر القوى التجارية والصناعية في العالم.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن إدماج منتجات الأقاليم الجنوبية ضمن المبادلات التجارية مع أوروبا يشكل عنصرا أساسيا في ضمان استقرار الاستثمارات والمشاريع التي يتم تطويرها بهذه المناطق، خصوصا في قطاعات الفلاحة والصيد البحري والصناعات الغذائية والطاقات المتجددة والخدمات اللوجستيكية.
فالداخلة والعيون لم تعودا مجرد سوقين محليتين، بل أصبحتا تدريجيا جزءا من منظومة اقتصادية تتجه جنوبا نحو إفريقيا وشمالا نحو أوروبا، مستفيدتين من استثمارات ضخمة في الطرق والموانئ والمطارات والطاقة والمناطق الصناعية.
ويبرز ميناء الداخلة الأطلسي كواحد من المشاريع القادرة على تغيير المعادلة الاقتصادية للمنطقة، إذ تراهن المملكة عليه ليصبح بوابة تجارية ولوجستيكية تربط المغرب بعمقه الإفريقي وتفتح أمام المنتجات والاستثمارات مسارات جديدة نحو الأسواق الدولية.
كما يشكل تطوير الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر أحد الرهانات المستقبلية الكبرى للأقاليم الجنوبية، في وقت تبحث فيه أوروبا عن مصادر جديدة ومستقرة للطاقة النظيفة، وهو ما يمنح الجنوب المغربي موقعا متقدما في التحولات الاقتصادية المرتقبة خلال السنوات المقبلة.
ومن هنا تتجاوز أهمية العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي مسألة تصدير منتج فلاحي أو بحري، لأنها ترتبط بصورة مباشرة بالثقة التي يحتاجها المستثمر قبل ضخ أمواله في مشاريع طويلة الأمد.
فكلما أصبحت القواعد التجارية أكثر وضوحا واستقرارا، ارتفعت قدرة المنطقة على استقطاب الرساميل وإحداث المصانع وخلق فرص الشغل وتطوير سلاسل إنتاج موجهة نحو التصدير.
وفي المقابل، يبقى الملف محاطا بتعقيدات قانونية وسياسية داخل الاتحاد الأوروبي، ما يجعل أي تقدم في تثبيت إطار تجاري مستقر مع المغرب ذا أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الرباط وشركائها الأوروبيين على حد سواء.
كما أن التطور الاقتصادي الذي تشهده الأقاليم الجنوبية يجعل النقاش يتجه تدريجيا من الجغرافيا السياسية وحدها إلى المصالح الاقتصادية الملموسة، حيث توجد اليوم مشاريع وموانئ وشركات واستثمارات وفرص شغل وسلاسل توريد مرتبطة بأسواق خارجية.
ويسعى المغرب من خلال النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية إلى تحويل المنطقة إلى قطب اقتصادي متكامل، لا يعتمد على الاستثمار العمومي وحده، بل يصبح قادرا على استقطاب القطاع الخاص الوطني والدولي وتطوير المبادلات مع أوروبا وإفريقيا.
وفي هذا السياق، تحمل المواقف الأوروبية الداعمة لاستمرار التجارة مع المغرب أهمية تتجاوز الظرفية، لأنها تمنح المستثمرين إشارات حول مستقبل العلاقة الاقتصادية بين ضفتي المتوسط.
وإذا نجح المغرب والاتحاد الأوروبي في ترسيخ إطار تجاري مستقر وقابل للاستمرار قانونيا، فإن المستفيد الأكبر لن يكون فقط حجم الصادرات، بل أيضا جاذبية الأقاليم الجنوبية للاستثمار وقدرتها على التحول إلى منصة اقتصادية تربط أوروبا بإفريقيا عبر المغرب.



