لم يعد الرهان المطروح أمام صناعة النسيج والألبسة بالمغرب مقتصراً على تعزيز الإنتاج ورفع الصادرات، بل أصبح مرتبطاً بقدرة القطاع على بناء منظومة صناعية أكثر تكاملاً، تقلص الاعتماد على المواد الأولية المستوردة وترفع القيمة المضافة للمنتجات الوطنية.
وهو التحول الذي عاد إلى الواجهة مع افتتاح الدورة الثالثة والعشرين للمعرض الدولي للنسيج «MIM 2026»، بالدار البيضاء، وسط الإعلان عن استثمارات جديدة بقيمة 2.3 مليار درهم، يرتقب أن توفر 7 آلاف منصب شغل.
وتكشف المعطيات التي قدمها المسؤولون والمهنيون خلال افتتاح هذه التظاهرة، الثلاثاء 3 نونبر، عن حجم التحدي الذي تواجهه الصناعة النسيجية المغربية؛ فبالرغم من توفرها على قاعدة إنتاجية تضم أكثر من 1700 مقاولة، وتشغيلها حوالي 240 ألف شخص، وتحقيقها رقم معاملات يصل إلى 66 مليار درهم، من بينها 44 مليار درهم من الصادرات، فإن جزءاً مهماً من نشاطها لا يزال يعتمد على عمليات القص والخياطة والتشطيب، دون امتلاك حلقات إنتاجية متكاملة بالقدر الكافي.
وفي هذا السياق، شكل الاستثمار الجديد الذي كشف عنه عمر حجيرة، الوزير المنتدب المكلف بالتجارة الخارجية، أحد أبرز الإعلانات التي رافقت افتتاح المعرض، إذ تبلغ قيمته 2.3 مليار درهم، مع توقعات بإحداث 7 آلاف منصب شغل، وتوجيه 80 في المائة من الإنتاج نحو التصدير.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من طبيعة الاختلالات التي يعاني منها القطاع، حيث أوضح حجيرة أن 77 في المائة من صادرات النسيج والألبسة تعتمد على نموذج «القص والخياطة والتشطيب» المعروف اختصاراً بـ«CMT»، في حين يستورد المغرب نحو 80 في المائة من الأقمشة والخيوط التي تحتاجها المقاولات النشيطة في هذا المجال.
ويراهن التوجه الصناعي الجديد على تقليص حصة هذا النموذج من 77 في المائة حالياً إلى 50 في المائة، ثم إلى 40 و30 في المائة خلال المراحل المقبلة، بما يسمح بتطوير عمليات التصنيع داخل المغرب، والانتقال من مجرد تحويل المواد المستوردة إلى إنتاج أكثر تكاملاً يرفع القيمة المضافة ويعزز تنافسية المقاولات الوطنية في الأسواق الدولية.
ويأتي هذا الرهان في وقت يحتل فيه قطاع النسيج موقعاً مهماً ضمن الاقتصاد الوطني، سواء من حيث التشغيل أو الصادرات. فقد أكد أنس الأنصاري، رئيس الجمعية المغربية لصناعات النسيج والألبسة، أن القطاع يضم أكثر من 1700 مقاولة ويوفر حوالي 240 ألف منصب شغل، فيما يصل رقم معاملاته إلى 66 مليار درهم، منها 44 مليار درهم من الصادرات.
واعتبر الأنصاري أن المرحلة المقبلة تستدعي تجاوز نموذج صناعي يرتكز أساساً على التصنيع والخياطة، نحو صناعة أكثر تكاملاً وقدرة على إنتاج قيمة مضافة مرتفعة، داعياً إلى إدماج المقاولات النسيجية ضمن الاستراتيجيات الجديدة الموجهة إلى الشركات المنتجة والمصدرة، بما يدعم الاندماج الصناعي والسيادة الإنتاجية ويوسع فرص الاستثمار والتشغيل.
من جانبه، شدد عابد شكار، ممثل الاتحاد العام لمقاولات المغرب، على أهمية تسريع الاستثمار وتحسين التكوين المستمر، ومواكبة الإصلاحات الضرورية لتعزيز تنافسية المقاولات، مع إيلاء اهتمام أكبر للابتكار ومساعدة الشركات المغربية على اكتشاف أسواق جديدة خارج وجهاتها التقليدية في أوروبا، خاصة فرنسا وإسبانيا، والتوجه نحو أسواق أمريكا والشرق الأوسط ومناطق أخرى تتيح فرصاً إضافية للتصدير وإقامة الشراكات الدولية.
ولا ينفصل التحول الصناعي المنشود عن مسألة التشغيل والتأهيل المهني، بالنظر إلى الوزن الاجتماعي للقطاع.
وفي هذا الإطار، أبرز عبد الرحيم شهيد، وزير التشغيل والحوار الاجتماعي، أن النسيج والألبسة يشغلان أكثر من 240 ألف شخص، أي ما يعادل 24 في المائة من إجمالي التشغيل الصناعي الوطني، فيما تمثل النساء 63 في المائة من العاملين في هذا المجال.
وأوضح شهيد أن البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 يستهدف إحداث مليون منصب شغل صاف، من بينها 250 ألف منصب في القطاع الصناعي، مشيراً إلى مجموعة من البرامج التي تراهن عليها الحكومة لمواكبة هذا التوجه، وفي مقدمتها برنامج «كفاءات 2030» الذي يستهدف توفير 500 ألف فرصة للتكوين، وبرنامج «أول عقد شغل» الموجه لمواكبة 500 ألف شاب وشابة، فضلاً عن «جواز الحركية المهنية» الذي يستهدف إعادة التأهيل المهني لـ250 ألف شخص على مدى خمس سنوات.
وتبرز أهمية هذه البرامج في ارتباطها المباشر بحاجيات المقاولات النسيجية، التي تواجه تحولات تكنولوجية وإنتاجية تتطلب مهارات جديدة، وتكويناً مستمراً قادراً على مواكبة تطور المعدات وأساليب التصنيع ومتطلبات الأسواق الدولية.
وعلى المستوى التجاري والصناعي، لم تقتصر الدورة الحالية من المعرض على عرض المنتجات والتجهيزات، بل اتجهت نحو توسيع الشراكات الدولية وفتح قنوات جديدة للتعاون والاستثمار. ويشارك في «MIM 2026» أكثر من 200 عارض يمثلون 25 بلداً، على مساحة تبلغ 8 آلاف متر مربع، بالمعرض الدولي بالدار البيضاء، خلال الفترة الممتدة من 3 إلى 5 نونبر.
وقد شهد الافتتاح حضور عبد الرحيم شهيد، وزير التشغيل والحوار الاجتماعي، وعمر حجيرة، الوزير المنتدب المكلف بالتجارة الخارجية، وصلاح الدين عبقري، الوزير المنتدب المكلف بالشباب، إلى جانب أنس الأنصاري وعابد شكار وممثلين عن القطاع الصناعي والمهني.
وفي إطار تعزيز التعاون الدولي، تطلق الجمعية المغربية لصناعات النسيج والألبسة، بشراكة مع مجموعة «CEMS Global»، قمة «Med Atlantic Textile Summit»، باعتبارها فضاء للحوار بين الصناعيين والهيئات المهنية والخبراء وصناع القرار، بمشاركة مؤسسات دولية من بينها الاتحاد الأوروبي لصناعة النسيج والملابس، والاتحاد الدولي لمصنعي النسيج، واتحاد مصدري إسطنبول للنسيج والمواد الخام، والاتحاد السويسري للنسيج، وجمعية صناعة النسيج والملابس والجلود بالجمهورية التشيكية.
وتهدف هذه القمة إلى تعزيز التقارب بين المنظومات الصناعية واستكشاف فرص الاستثمار والتعاون، خصوصاً بين الفضاءين المتوسطي والأطلسي، في سياق البحث عن شراكات قادرة على دعم موقع المغرب داخل سلاسل القيمة الدولية.
كما توج افتتاح المعرض بتوقيع الجمعية المغربية لصناعات النسيج والألبسة ثلاث مذكرات تفاهم مع شركاء من الهند والأردن وجمهورية التشيك. وتتعلق الاتفاقية الأولى بغرفة تجارة وصناعة جنوب غوجارات الهندية، وتركز على تطوير المبادلات التقنية والتجارية والتنظيمية بين البلدين، فيما تستهدف الاتفاقية الثانية، الموقعة مع غرفة الصناعة الأردنية، هيكلة التعاون الصناعي والتجاري والاستفادة من الفرص التي تتيحها اتفاقية أكادير.
أما المذكرة الثالثة، التي جمعت الجمعية المغربية بصناعة النسيج والملابس والجلود بالجمهورية التشيكية، فتروم تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية وتعزيز التعاون بين المقاولات المغربية والتشيكية.
ويضم المعرض سبعة فضاءات موضوعاتية تغطي مختلف حلقات الصناعة النسيجية، من الملابس الجاهزة والعلامات التجارية المغربية إلى الأقمشة والآلات والابتكار، فضلاً عن المنتجات الكيميائية والإكسسوارات والخدمات المرتبطة بالقطاع، بما يتيح للمهنيين والعارضين عرض منتجاتهم واستكشاف فرص تجارية وصناعية جديدة.
وبين استثمارات بمليارات الدراهم، وبرامج حكومية للتشغيل والتكوين، واتفاقيات تعاون مع شركاء دوليين، يضع معرض «MIM 2026» أمام صناعة النسيج المغربية اختباراً يتجاوز حجم الصادرات وعدد المقاولات ومناصب الشغل.
فالتحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه المؤهلات إلى اندماج صناعي أعمق، وتقليص التبعية للمواد المستوردة، وتطوير الإنتاج المحلي، حتى يتمكن المغرب من الانتقال إلى موقع أكثر تقدماً داخل سلاسل الإنتاج والتوريد الدولية.



