حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

تدخل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة جديدة من العمل الحكومي، عنوانها تحويل الالتزامات المعلنة للفترة 2026-2031 إلى نتائج ملموسة في حياة المغاربة.

فبعد تقديم البرنامج أمام البرلمان، أصبح التحدي الأساسي هو ضمان انسجام التمويل مع الأولويات، وتسريع إنجاز المشاريع، وتحسين أداء المرافق العمومية، بما يجعل التنمية أكثر ارتباطا بالانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.

وخلال مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس المستشارين، أمس الأربعاء، أكدت رئيسة الحكومة أن الالتزامات المعلنة ستترجم إلى إجراءات عملية وواقعية مدعومة بأرقام وتمويلات محددة. وأوضحت أن مجموع النفقات المرتبطة بالبرنامج سيبلغ 390 مليار درهم، منها 314 مليار درهم من الميزانية العامة للدولة، و76 مليار درهم من مصادر خارجها.

وضمن الاعتمادات المرتبطة بالميزانية العامة، تشمل المبالغ المعلنة 108 مليارات درهم للحماية الاجتماعية، و93 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية، و57 مليار درهم للتنمية المجالية المندمجة، و30 مليار درهم لإدماج الشباب، و26 مليار درهم لتطوير البنيات التحتية.

وتعكس هذه الأرقام حجم الموارد التي تعتزم الحكومة تعبئتها لخدمة أولوياتها، غير أن نجاحها سيظل رهينا بوضوح مصادر التمويل، واحترام آجال التنفيذ، وربط الإنفاق بالنتائج المحققة.

ويبرز التمويل باعتباره أحد الشروط الأساسية لنجاح البرنامج. فالتحدي لا يقتصر على توفير الاعتمادات المعلنة، بل يشمل ضمان استدامة الموارد وتوجيهها نحو المشاريع ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأكبر.

كما يتطلب الحفاظ على التوازنات المالية تنسيق السياسات الاستثمارية والاجتماعية، وتوسيع النشاط الاقتصادي، وتحسين تحصيل الموارد العمومية، بما يسمح بمواصلة الأوراش المبرمجة دون الإخلال بمتطلبات الاستقرار المالي.

وفي هذا السياق، تصبح فعالية الإدارة عاملا حاسما في الانتقال من التخطيط إلى الإنجاز. فتيسير المساطر، وتطوير الخدمات الرقمية، وتوضيح مسؤوليات المؤسسات، وتحسين التنسيق بين القطاعات، كلها إجراءات يمكن أن تقلص آجال إنجاز المشاريع وترفع مردودية الإنفاق العمومي.

كما أن اعتماد مؤشرات واضحة للتتبع والتقييم سيساعد على رصد التقدم المحقق، وتحديد مكامن التعثر، وتصحيح الاختلالات في الوقت المناسب.

ويمثل التشغيل أحد أبرز الاختبارات التي ستقاس بها حصيلة الحكومة، في ضوء استهداف إحداث مليون منصب شغل وخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة، إلى جانب رفع معدل نشاط النساء إلى 21,2 في المائة في أفق 2031.

ولا يتوقف تحقيق هذه الغايات على حجم الاستثمار وحده، بل يتطلب توجيه المشاريع نحو الأنشطة المنتجة لفرص العمل، وتقوية الصلة بين التكوين وحاجيات سوق الشغل، وتوفير الظروف الملائمة لنمو المقاولات، خاصة الصغيرة والمتوسطة.

وتتيح الاستثمارات الكبرى، بما فيها المشاريع المرتبطة بالاستعدادات لكأس العالم 2030، فرصا لتحريك قطاعات اقتصادية متعددة. غير أن تعظيم أثرها يقتضي توسيع مشاركة المقاولات الوطنية، وتعزيز استفادة الشباب من فرص التكوين والتشغيل، وضمان امتداد آثار المشاريع إلى مختلف الجهات.
وبهذا المعنى، يصبح نجاح الاستثمار مرتبطا بقدرته على خلق قيمة مضافة مستدامة، وليس فقط بحجم الأموال المرصودة أو الأشغال المنجزة.

كما أن تحسين مناخ الأعمال يشكل مدخلا لتوسيع المبادرة الاقتصادية. فقد شددت المنصوري على أهمية دعم الاستثمار وتشجيع المقاولات وتبسيط المساطر، وهي توجهات يمكن أن تعزز ثقة المستثمرين وتيسر إطلاق المشاريع وتطويرها.

ويتطلب تحويلها إلى نتائج ملموسة تحسين الولوج إلى التمويل، وتعزيز الشفافية في الإجراءات، وتكريس تكافؤ الفرص، حتى تتمكن المقاولات من المساهمة بصورة أكبر في خلق الثروة وفرص الشغل.

وترتبط هذه الدينامية بالأهداف الاقتصادية التي أعلنتها الحكومة، والمتمثلة في تحقيق نمو بنسبة 5 في المائة، وحصر التضخم في حدود 2 في المائة، وتقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة، والعمل على ألا تتجاوز المديونية 62 في المائة في أفق 2031.

وتظل هذه الأرقام أهدافا مستقبلية يتوقف بلوغها على تطور النشاط الاقتصادي والظروف الداخلية والخارجية، وعلى قدرة السياسات العمومية على الجمع بين تحفيز الاستثمار والمحافظة على التوازنات المالية.

وفي الإطار نفسه، أشارت رئيسة الحكومة إلى تعبئة موارد جبائية إضافية تقارب 240 مليار درهم. ويطرح هذا الهدف أهمية توسيع القاعدة الضريبية وتحسين استخلاص الموارد، مع تعزيز الثقة بين الإدارة والملزمين، ومحاربة التهرب، وتحقيق قدر أكبر من الإنصاف الجبائي.
فكلما تحسنت تعبئة الموارد وارتفعت فعالية الإنفاق، اتسعت قدرة الدولة على تمويل برامجها الاجتماعية والاستثمارية.

وعلى المستوى الترابي، يشكل تخصيص 57 مليار درهم للتنمية المجالية المندمجة فرصة لتعزيز التقائية المشاريع وتوجيهها نحو الحاجيات الفعلية للسكان.

ويتوقف نجاح هذا التوجه على إشراك الجهات والجماعات الترابية في تحديد الأولويات، وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتوزيع الاستثمارات على أساس الحاجيات والإمكانات التنموية لكل مجال.

والغاية هي أن تتحول المشاريع إلى خدمات وبنيات أساسية وفرص اقتصادية، بما يعزز استفادة المناطق القروية والمجالات الأقل تجهيزا من ثمار التنمية.

وتبرز الحماية الاجتماعية بدورها باعتبارها ورشا يحتاج إلى التكامل بين الدعم وتحسين الخدمات العمومية. فالأثر المنتظر من الاعتمادات المخصصة لهذا المجال لن يقاس بحجم الإنفاق فقط، بل بمدى وصول الدعم إلى مستحقيه، وتحسن الولوج إلى العلاج، والارتقاء بجودة التعليم، وتيسير الاستفادة من الخدمات الأساسية.
ومن شأن التنسيق بين هذه المجالات أن يجعل التدخل الاجتماعي أكثر فعالية، وأن يعزز قدرة الأسر على مواجهة الأعباء اليومية.

أما الحوار الاجتماعي، فيمثل إطارا أساسيا لتدبير القضايا المرتبطة بالأجور والمعاشات وظروف العمل والحماية الاجتماعية. وقد أكدت المنصوري استمرار الحوار مع النقابات والشركاء الاجتماعيين والوفاء بالالتزامات المتخذة، مع الإشارة إلى برمجة 50 مليار درهم لهذا الغرض سنة 2027.

ويظل نجاح هذا المسار مرتبطا باستمرار التشاور، ووضوح الالتزامات والآجال، والتوفيق بين تحسين الأوضاع الاجتماعية والحفاظ على قدرة الاقتصاد على خلق فرص الشغل.

ولا تنفصل هذه الأوراش عن مسألة تخليق الحياة العامة والتصدي لتضارب المصالح، التي شددت رئيسة الحكومة على أهميتها في استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات.

فتعزيز الشفافية، وتكريس تكافؤ الفرص، وتحسين مراقبة تدبير المال العام، عناصر أساسية لرفع مردودية السياسات العمومية وتهيئة مناخ أكثر ملاءمة للاستثمار.

كما أن وضوح قواعد المساءلة ونشر معطيات منتظمة حول تقدم المشاريع من شأنهما تعزيز الثقة في المؤسسات وربط المسؤولية بالنتائج.

ويمتد رهان التنفيذ إلى المغاربة المقيمين بالخارج، من خلال تفعيل المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج وتطوير الخدمات الرقمية والقنصلية الموجهة إليهم، وفق ما أعلنته رئيسة الحكومة.

ويستدعي تنزيل هذه الالتزامات تحسين جودة الخدمات وتيسير المعاملات الإدارية، إلى جانب تهيئة الظروف الملائمة لتعزيز مساهمة مغاربة العالم في الاستثمار ونقل الخبرات، مع الحفاظ على ارتباطهم بمسار التنمية الوطنية.

إن الرهان الأساسي أمام حكومة المنصوري يتمثل في ضمان التناسق بين هذه الأوراش، حتى لا تعمل السياسات الاجتماعية والاقتصادية والترابية في مسارات منفصلة.

ويتطلب ذلك تحديد المسؤوليات، وتنسيق تدخلات القطاعات والمؤسسات، وإرساء آليات دورية لتقييم الإنجاز، مع التمييز بين الأموال المبرمجة والمشاريع المنجزة والنتائج التي تحققت فعليا.

وتتوفر أمام الحكومة فرصة للاستفادة من الإمكانات البشرية والمؤسساتية والبنيات التحتية التي راكمها المغرب، ومن المشاريع الاستثمارية القائمة، لتحويل البرنامج إلى رافعة للتنمية وخلق الفرص.

غير أن استثمار هذه الإمكانات يظل رهينا بوضوح الأولويات، وفعالية التدبير، والقدرة على معالجة التعثرات، والانفتاح على تقييم السياسات وتصحيحها كلما اقتضت الضرورة.

في المحصلة، لن يتحدد نجاح البرنامج الحكومي بعدد التعهدات التي يتضمنها، بل بمدى القدرة على تنفيذها، فنجاح البرنامج سيتحدد بقدرته على تجاوز بطء المساطر، وضمان استدامة التمويل، وتحقيق الالتقائية بين السياسات، وتقليص الفوارق المجالية، وإخضاع النتائج للتقييم والمساءلة، جينها يمكن للبرنامج الحكومي أن يتحول من إطار للالتزامات إلى أداة عملية لتعزيز التنمية والثقة في المؤسسات.

وسيكون التحدي الحقيقي هو أن يلمس المواطن أثر هذه الاختيارات في فرص الشغل وجودة الخدمات والعدالة المجالية وفعالية الإدارة.