حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

لم يعد المغرب، وفق قراءة الخبير الجيوسياسي الفرنسي جيروم بيسنار، يكتفي بالتفاعل مع التصورات الأوروبية بشأن الهجرة، بل يتجه إلى طرح رؤيته الخاصة والمساهمة في تحديد أولويات التعاون وآلياته. ويستند هذا التحول، بحسب الخبير، إلى توجه يروم بناء شراكة أكثر توازنا بين المملكة وشركائها الأوروبيين، قوامها تقاسم المسؤوليات والبحث عن حلول مشتركة ومستدامة.

وفي تعليقه على مضامين الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، اعتبر بيسنار أن وصف النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة بأنه متجاوز يعكس وعيا مغربيا بحدود المقاربات المعمول بها، في ظل تكرار الأزمات المرتبطة بهذا الملف واستمرار توظيفه في السجالات السياسية والإعلامية.

وأوضح أستاذ القانون بجامعة باريس سيتي أن الاختلالات القائمة لا تقتصر على تدبير تدفقات الهجرة، بل تشمل أيضا صعوبات عملية لم تنجح آليات التعاون الحالية في تجاوزها، من بينها ترحيل القاصرين غير المصحوبين والأشخاص الذين ينتحلون صفة لاجئ.

وفي هذا السياق، توقف الخبير الفرنسي عند إعلان المغرب عزمه تقديم وثيقة استراتيجية إلى شركائه، وفي مقدمتهم الدول الأوروبية، معتبرا أن هذه الخطوة تفتح المجال أمام تغيير طبيعة مساهمة المملكة في تدبير الملف، عبر الانتقال إلى اقتراح التصورات والحلول، بدلا من الاقتصار على التعامل مع المبادرات التي تطرحها المؤسسات الأوروبية.

ولا ينحصر الرهان، وفق قراءة بيسنار، في مراجعة الاختلالات التي تطبع النموذج القائم، بل يمتد إلى بلورة مقاربة تربط تدبير الهجرة بالتنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. وهي عناصر من شأنها، بحسبه، توسيع نطاق التعاون ليشمل الأسباب والسياقات المرتبطة بهذه الظاهرة، بدل حصره في الاستجابات الظرفية للأزمات.

ويرى الخبير أن هذا التوجه يعكس تحولا في العلاقات بين بلدان الشمال والجنوب، من خلال سعي المغرب إلى المشاركة في صياغة الأولويات وتحديد آليات العمل على قدم المساواة مع شركائه، بما يعزز موقعه في معالجة القضايا الإقليمية التي تتطلب تنسيقا مستمرا بين الأطراف المعنية.

كما اعتبر أن بناء تعاون أكثر فعالية يقتضي تجاوز الحسابات الانتخابية والمزايدات السياسية التي غالبا ما تحيط بملف الهجرة، واعتماد أسس واضحة تقوم على الندية والمعاملة بالمثل وتقاسم المسؤوليات.

وبذلك، يضع بيسنار المبادرة المغربية في سياق أوسع من مجرد مراجعة آليات التعاون القائمة، معتبرا أنها تعبر عن رغبة المملكة في الانتقال إلى شراكة أكثر توازنا واستدامة مع أوروبا، يكون فيها اقتراح الحلول وتحديد الأولويات مسؤولية مشتركة، وليس امتيازا لطرف دون آخر.