يواجه قطاع الأرز بالمغرب معادلة اقتصادية دقيقة مع اقتراب موسم إنتاج يتوقع أن يكون أفضل بكثير من السنوات المتأثرة بالجفاف، في الوقت الذي تستمر فيه المنافسة القوية للأرز المستورد، خاصة القادم من مصر، ما أعاد إلى الواجهة مطلب حماية المنتوج الوطني دون الإضرار بقدرة المستهلك على الحصول على أسعار مناسبة.
وتتركز زراعة الأرز بالمغرب أساسا في منطقة الغرب، حيث ترتبط بها أنشطة فلاحية وصناعية وتشغيلية متعددة، ما يجعل أي اضطراب في تسويق المحصول يتجاوز الفلاح ليصل إلى المصانع واليد العاملة وسلسلة القيمة المحلية بأكملها.
وتشير تقديرات مهنيي القطاع إلى أن المساحة المزروعة خلال الموسم الحالي بلغت حوالي سبعة آلاف هكتار، مع توقع مردودية تتراوح بين 8 و8.5 أطنان للهكتار، وهو ما قد يسمح بوصول الإنتاج الوطني إلى نحو 70 ألف طن، مقابل حوالي 55 ألف طن خلال الموسم الماضي.
لكن عودة الإنتاج إلى مستويات أفضل تطرح مشكلة من نوع آخر، إذ تشير المعطيات المهنية إلى استمرار وجود مخزونات من الموسم السابق داخل وحدات المعالجة، بالتزامن مع حضور الأرز المستورد في السوق، ما يزيد الضغط على قدرة الفلاحين والمصانع على تسويق المحصول الجديد.
ويبرز الأرز المصري في قلب هذا النقاش بسبب قدرته التنافسية من حيث السعر واستفادته من الإطار التجاري المنظم للمبادلات بين المغرب ومصر، بينما يرى مهنيون أن كلفة الأرز المغربي تجعل المنافسة أكثر صعوبة في السوق الداخلية.
وتفيد تقديرات القطاع بأن سعر الأرز المغربي يدور بين 7.50 و8 دراهم للكيلوغرام في بعض مستويات السلسلة، مقابل إمكانية وصول المستورد إلى حوالي 6 دراهم، وهو فارق يصبح مؤثرا عندما يتعلق الأمر بكميات كبيرة وبمنافسة مباشرة على السوق نفسها.
ولا يعني ذلك أن الاستيراد يمثل في حد ذاته مشكلة. فقد شكل خلال سنوات الجفاف أداة ضرورية لتعويض انهيار الإنتاج المحلي وضمان تموين السوق، بعدما تراجعت زراعة الأرز بشكل حاد نتيجة نقص المياه.
المعادلة تغيرت اليوم مع تحسن الموسم، وهو ما يجعل السؤال المطروح مختلفا: كيف يمكن الانتقال من مرحلة احتاج فيها المغرب إلى الاستيراد لتعويض النقص إلى مرحلة يحتاج فيها المنتج الوطني إلى سوق تستوعب محصوله؟
وتزداد أهمية السؤال بالنظر إلى وجود عقد برنامج يمتد إلى غاية 2030 بقيمة إجمالية تبلغ 339 مليون درهم لتطوير سلسلة الأرز، بمساهمة من الدولة والمهنيين، ما يعني أن حماية جدوى هذه الاستثمارات تصبح جزءا من النقاش حول مستقبل القطاع.
فلا معنى للاستثمار في تطوير الإنتاج ورفع المردودية وتحسين البنيات إذا وجد الفلاح نفسه، بعد موسم جيد، عاجزا عن بيع محصوله بسبب اختلال التوازن بين العرض المحلي والواردات.
وفي المقابل، لا يمكن بناء سياسة الحماية على حساب المستهلك أو عبر إغلاق السوق أمام المنافسة، خصوصا أن الأسعار تظل عاملا أساسيا بالنسبة للأسر. المطلوب هو إيجاد توازن يسمح للمنتوج المغربي بالمنافسة ويضمن في الوقت نفسه عدم حدوث ارتفاع غير مبرر في الأسعار.
ويمكن أن يمر هذا التوازن عبر ضبط الواردات وفق حاجيات السوق الفعلية ومواعيد الإنتاج الوطني، وتشديد مراقبة الجودة، وتحسين إنتاجية الفلاح المغربي، وخفض تكاليف الزراعة والمعالجة والتسويق، بدل الاقتصار على معالجة المشكلة عند وصول المحصول إلى المصانع.
كما أن الملف يعيد طرح قضية أوسع تتعلق بالسيادة الغذائية. فالمغرب يحتاج إلى الاستيراد في عدد من المواد لضمان التموين واستقرار الأسعار، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على سلاسل إنتاج وطنية قادرة على الصمود عندما تتحسن الظروف المناخية.
قضية الأرز ليست إذن مواجهة بين المنتوج المغربي والمصري بقدر ما هي اختبار لقدرة السياسة الفلاحية والتجارية على تحقيق التوازن بين ثلاثة أطراف: الفلاح الذي يحتاج إلى سعر يضمن استمرار نشاطه، والمصنع الذي يحتاج إلى سوق مستقرة، والمستهلك الذي يبحث عن الجودة والسعر المناسب.
ومع توقع محصول يقترب من 70 ألف طن، سيكون التحدي خلال المرحلة المقبلة واضحا: ألا يتحول الموسم الجيد الذي انتظره الفلاح المغربي بعد سنوات الجفاف إلى أزمة تسويق جديدة.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة



