لم يكن دخول فوزي لقجع إلى العمل الحزبي مجرد انتقال لشخصية تدبيرية معروفة إلى قلب المشهد السياسي، بل تزامن حضوره مع بروز قاموس جديد في السجال بين الأحزاب، قاموس يستعير الكثير من مفرداته من عالم كرة القدم، حتى أصبحت كلمات من قبيل «الميركاتو» و«المدرجات» و«الانتقالات» حاضرة بقوة في النقاش السياسي قبيل الانتخابات التشريعية لسنة 2026.
واللافت أن السياسة المغربية بدت وكأنها وجدت في كرة القدم أفضل لغة لوصف ما يجري داخلها. فالأحزاب تستقطب المرشحين، والمنتخبون ينتقلون بين التنظيمات، والقيادات تبحث عن الأسماء القادرة على تحقيق النتائج، فيما تتحول بعض الشخصيات السياسية إلى ما يشبه «صفقات الموسم» التي تتنافس عليها الأحزاب قبل موعد الاقتراع.
عبارة «الميركاتو» أصبحت تختصر جانبا كبيرا من هذا الواقع. ففي كرة القدم تعني سوق انتقال اللاعبين بين الأندية، أما في السياسة فقد أصبحت تعبر عن انتقال المنتخبين والقيادات والمرشحين من حزب إلى آخر، خصوصا عندما ترتفع وتيرة هذه التحركات كلما اقترب موعد الانتخابات.
وإذا كان اللاعب يغير قميصه الرياضي بحثا عن تجربة جديدة أو عقد أفضل، فإن تغيير «القميص السياسي» يطرح أسئلة أكثر تعقيدا. ماذا يحدث للأفكار والمواقف والبرامج التي كان السياسي يدافع عنها داخل حزبه السابق؟ وهل يكفي الانتقال إلى حزب آخر لكي تتغير القناعات بين ليلة وضحاها؟
أما «المدرجات»، فهي بدورها صورة تختصر جانبا آخر من السياسة الجديدة. فبعض التجمعات الحزبية أصبحت تعتمد على الحماس والتعبئة والشعارات والردود المباشرة، إلى درجة تجعل المتابع يشعر أحيانا بأنه أمام مباراة سياسية ينتظر فيها كل جمهور هدفا في مرمى الخصم.
غير أن السياسة ليست مباراة كرة قدم، مهما كانت التشبيهات جذابة.
في الملعب يمكن لهدف في الدقيقة التسعين أن يمحو أداء سيئا استمر طوال المباراة، أما في تدبير الشأن العام فلا يمكن لخطاب قوي أو تجمع جماهيري ناجح أن يمحو حصيلة سنوات من المسؤولية.
وفي كرة القدم يمكن تغيير المدرب بعد سلسلة من الهزائم، ويمكن شراء مهاجم جديد خلال فترة الانتقالات، أما السياسة فتحتاج إلى بناء نخب وبرامج ومؤسسات حزبية قادرة على إنتاج الكفاءات من داخلها.
وهنا تكشف لغة «الميركاتو» عن مشكلة أعمق من مجرد المصطلحات. فإذا كانت الأحزاب تنتظر اقتراب الانتخابات للبحث عن الشخصيات القادرة على الفوز بالمقاعد، فإن السؤال يصبح: ماذا تفعل التنظيمات الحزبية بين استحقاقين؟ وأين هي مدارس تكوين الأطر والشباب والنساء؟ ولماذا يتحول بعض المنتخبين قبل كل انتخابات إلى أسماء مطلوبة من أكثر من حزب؟
المثير أن فوزي لقجع، القادم من عالم كرة القدم والذي ارتبط اسمه لسنوات بتدبير واحد من أكثر القطاعات شعبية في المغرب، وجد نفسه في قلب هذا التحول اللغوي والسياسي. فمع دخوله العمل الحزبي، أصبح التشبيه بين السياسة والكرة أكثر حضورا، وأصبح الحديث عن الانتقالات والمنافسة والنتائج والجمهور جزءا من قراءة ما يحدث بين الأحزاب.
لكن الاختبار الحقيقي لا يوجد في «الميركاتو» ولا في «المدرجات».
الاختبار يوجد في صناديق الاقتراع وفي قدرة الأحزاب على إقناع المواطن بأن المرشح الذي تقدمه يحمل مشروعا سياسيا وليس مجرد اسما قادرا على الفوز.
فالسياسي ليس لاعبا محترفا ينتقل إلى الفريق الذي يقدم العرض الأفضل، والحزب ليس ناديا يبحث فقط عن النجوم، والناخب ليس مجرد متفرج يجلس في المدرجات ويصفق لمن يسجل الهدف.
الناخب هو صاحب القرار.
ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن تأخذه السياسة من كرة القدم ليس «الميركاتو»، وإنما ثقافة النتيجة والمحاسبة. من ينجح يستمر، ومن يفشل يتحمل مسؤوليته، ومن يعد الجمهور بشيء عليه أن يقدم الحصيلة في نهاية الموسم.
أما إذا تحولت السياسة إلى مجرد انتقالات بين الأحزاب، ونجوم تتغير قمصانها، ومدرجات تصفق لهذا وتهاجم ذاك، فإن الخاسر لن يكون حزبا أو مرشحا.
الخاسر سيكون السياسة نفسها.
والمفارقة أن الرجل القادم من عالم الكرة لم يحتج إلى أن يفرض قاموس الملاعب على الأحزاب؛ السياسة هي التي بدأت تتحدث بلغة الكرة.
ومع اقتراب تشريعيات 2026، يبقى السؤال مفتوحا: هل سنشهد منافسة بين البرامج والأفكار، أم أن «الميركاتو السياسي» سيكون هو نجم الموسم؟



